22 ربيع الأول 1441 هـ.ق. - الأربعاء 20 تشرين الثاني 2019 م.

بسم الله الرحمن الرحيم
فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقيمٍ

الحمد لله الناشر في الخلق فضلَه، والباسط فيهم بالجود يدَه، نحمدُه في جميع أُموره، ونستعينُه على رعاية حقوقه، ونشهدُ أنْ لا إله غيرُه، وأنّ محمداً عبده ورسوله، أرسله بأمره صادعاً، وبذكره ناطقاً، فأدّى أميناً ومضى رشيداً، وخلّف فينا راية الحقّ، من تقدّمها مرق، ومن تخلّف عنها زهق، ومن لزمها لحق..

نحمدك اللهمّ أنْ أورثتَ الأمّة كتابك الكريم؛ {ثمّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا}، فلم تحرمْنا من فضلك وآلائك.. ونشكرُك على أنْ مننتَ على عبادك بميزانك القويم؛ {وأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ والْميزان‏}،‏ فهديتنا بأهل بيتِ النبوّة والعصمة.. فهم الوحي والبيّنات.. والألواح والصحف.. والكتاب والذكر.. وهم التوراة والإنجيل والزبور.. وهم قرآنك الناطق.. بهم اكتمل الفضل وحلّ النعيم.. وكمُلَ الدين وتمّت النعمة.. وعلى معرفتهم دارت القرون الأولى.. يحفظ الله بهم أرضه وسماءه، فلا تخلو الأرض من أحدهم.. وإلا لساخت بأهلها..

يبيّن الله سبحانه وتعالى حقيقة الفطرة في كتابه الكريم فيقول: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتي‏ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْديلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم}‏، هذه الفطرة التي تتلجلج في مكنون بني آدم، وتنبضُ في أعماق ذاته، تتوهّج في الشدائد والمحن، لتُرجع النفس إلى مأمنها التي نُفختْ منه؛ {ونَفَخْتُ فيهِ مِنْ رُوحي}‏، فطرةً لا تفتأ تحرّك الإنسان نحو كعبة الوجود سبحانه وتعالى.. وتعرج به إلى قبلة المعبود.. في رحلة خالدة، عبر مطيّة مجاهدة النفس، ومخالفتها ونهيها عن الهوى، حتّى تحطّ رحالها قاب قوسين أو أدنى، في دار السلام والرَّوح والرضوان.. {مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وهُوَ السَّميعُ الْعَليم}، فتنال السعادة الأبديّة {في‏ مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَليكٍ مُقْتَدِر}.. آمين آمين

يعيش إنسانُ اليوم كثرةً في المذاهب وتنوّعاً في المدارس، تتباعد فيها النظُم، وتتصارع فيها المناهج، فقد شهدتْ البشريّة ضخامة في النتاجات العلميّة المتراكمة، أسهمتْ بها المعاهد والمراكز العلميّة المختلفة، فتعرض كلّ مدرسة بضاعتها على الآخرين، مع تباين معياري، وتباعد في التناسق المنهجي، وتضارب روحي، وتنافر نفسي باطني.. فلا النفوس بقيتْ على فطرتها المميّزة بين الحقّ والباطل، ولا المذاهب على سلامة في سليقتها، ولا المناهج والمدارس على أسسها المنطقية والعقليّة الأولى، فالبشريّة في اختلاف عميم وخلاف دامس.. أدخل الإنسان.أفراداً وأُسراً ومجتمعات. في تعقيدات فكريّة ونفسيّة وثقافيّة وحضاريّة، لا يكاد يحلّ واحدةً منها حتّى يقع في أخرى.. أفأمرهم الله تعالى بالاختلاف فأطاعوه، أم نهاهم عنه فعصوه، أم أنزل الله ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه، أم كانوا شركاء له، فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى! أم أنزل الله سبحانه ديناً تامّاً فقصّر الرسول صلّى الله عليه وآله عن تبليغه وأدائه، والله سبحانه يقول {ما فرّطنا في الكتاب من شيء} و {فيه تبيان كلّ شيء} وذكرَ أنّ الكتاب يصدّق بعضُه بعضاً وأنّه لا اختلاف فيه فقال سبحانه {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}..

ولكن في الطرف المقابل، تشرق نفحات الولاية في قلوب البقيّة الباقية، من العلماء الأولياء الذين فتحوا حصون العلم والمعرفة.. يذكّرون الخلقَ بأيّام الله.. ويبعثون في الأمّة روح الأمل بلقاء الله ومعرفته.. ليعبّدوا للبشريّة طريق الانقياد للثقلين؛ (إنّي تارك فيكم الثقلين ما إنْ تمسّكتم بهما لنْ تضلّوا بعدي أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي)، انقياداً حقيقيّاً عقلانياً واقعيّاً، ينظّم مختلف مجالات الحياة الفرديّة والأسرويّة والاجتماعيّة، بأبعادها الظاهريّة والمعنويّة.. فيبنون حضارة التوحيد، ويحقّقون الفوز والسعادة في الدارين.. فيهبون الأمّة روح الولاية ورَوح التبعيّة وريحان الطاعة للعقل الخالص والروح المجرّد عن المطامع والمنافع والهوى، ويعقدون بيعة النفوس مع منارة الأولياء، وقبلة العشاق.. والآية الكبرى والنبأ العظيم.. جامع الكلمة على التقوى.. وسعة الكلّ في الكلّ.. وحقيقة الحقائق وسرّ الأسرار.. أمل البشريّة الموعود الإمام المنتظر المهديّ أرواحنا لتراب مقدمه الفداء، الذي يؤمّ الكائنات إلى لقاء الحقّ تعالى.. فمنْ عرفه عرفَ الله، ومن لم يعرفه مات ميتة جاهليّة... فهو الأكثر حضوراً والأشدّ ظهوراً والأسطع تجلّياً والأوسع نوراً، بل هو الكلّ في الكلّ.. فلم تكن غيبته أرواحنا فداه غياباً لولايته ونهجه ومنهاجه وإرشاده وهدايته.. كيفَ وهو الشاهد والمبلّغ والقائم.. {إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً ومُبَشِّراً ونَذيراً وداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وسِراجاً مُنيرا}..

إنّ الحقيقة كلّ الحقيقة شاخصة في قرآن العصر الناطق، يفيض آناً بعد آن من علومه وأسراره ونفحاته ورعايته على علماء الأمّة وأولياء الدين وجميع المؤمنين ـ بل على عالم الإمكان بأسره ـ يناجيهم في نفوسهم، ويحاكيهم في قلوبهم، ويلهمهم في عقولهم.. فيُريهم أسرار ولايته، ويكشف لهم عن عظيم تدبيره غير المستقلّ عن تدبير الله عزّ وجلّ.. ويتجلّى في وجودهم بصفاته وأسمائه، ويتراءى لهم في ذوات وجودهم، فهو الواسطة في الفيض، وبه الوجود، وفي دائرة سعته حركة المعبود.. فمضافاً إلى وفرة المعقول والمنقول من القرآن والمأثور، إلا أنّ وليّ الله الأعظم أرواحنا فداه يتجلّى في وجود أوليائه وشيعته بل وسائر أقطار عالم الإمكان، كلّ على قدر سعته واستعداده: {أنزل من السماء ماء فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها}، فهو قطب الوجود والتجلّي الأتم، والفيض الأكمل، وحقيقة الوحي، ومعدن العلم وحقيقة البصيرة والتأويل وظاهر القرآن وباطنه.. {وكُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ في‏ إِمامٍ مُبين}.

فمهما بلغت البشرية من التطوّر العلميّ والرفاهية الاقتصاديّة والاستقرار الاجتماعي والقوّة والغلبة، ومهما نجحتْ الأفراد والمجتمعات في إيجاد حلول لما يواجهون من مشكلات، ومهما ارتقوا في عوالم التكامل والتجرّد والفناء في حركتهم المعنويّة، ورتعوا في رياض القرب والمكاشفة والوصال بالحقّ تعالى.. يظلون أتباعاً لإمام عالم الإمكان في جميع العوالم، فهو المعلّم الأعظم والمرشد الأحكم والهادي بإذن الله؛ {أَفَمَنْ يَهْدي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى‏}.. تحوم بأفلاكه أطياف الأولياء والأنبياء والأوصياء، وتدور حول قطبه رحى تجليّاتهم، كيف وقد خُلِقَ الجميع من فضل طينته عليه السلام.. فلا يستغنون عنه آناً من الآنات؛ يسيرون في مراتب وجوده الأقدس.. ويطوون الطريق بنور هديه المقدّس..

وما أدقّ بيان مولانا فخر الفقهاء وفقيه الأولياء آية الله السيّد محمّد الحسين الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في تقريره لكلمات أستاذ الكلّ في الكلّ الحكيم المتألّه والعارف المتبحّر السيد محمّد حسين الطباطبائي قدّس الله نفسه الزكيّة، في رسالة "لبّ اللباب" التي سطّر حروفها النورانيّة هديّة لروح الشهيد السعيد آية الله الشيخ مرتضى المطهري رحمه الله حيث يقول:

[فالسالك في حال السير إنّما يسير في المراتب النورانيّة للإمام، و كلّما ارتقى درجة أو مرتبة، فإنَّ هذه الدرجة أو المرتبة هي في متناول يد الإمام، الذي يرافقه في تلك الدرجة أو المرتبة. وكذلك بعد الوصول أيضاً، فإنَّ مرافقة الإمام لازمة، لأنَّ لدولة اللاهوت آداباً يجب أن يعلّمَها الإمامُ للسالك. فمرافقة الإمام في جميع الحالات من الشروط المهمّة، بل من أهمّ شروط السلوك...]

وعلى ضوء ذلك؛ فما أحوج الأمّة إلى حركة تأصيليّة عميقة، تعيدها إلى إمامها المعصوم، عبر خطوات ثابتة وراسخة، تجمع بين ظاهر التفسير وبطون التأويل، وتحتضن في ثناياها الشريعة والولاية والطريقة..

عَلَيْكَ بِهَا صِرْفَاً وَإِنْ شِئْتَ مَزْجَهَا          فَعَدْلُكَ عَنْ عَذْلِ الحَبيبِ هوَ الظُّلْمُ

فالولاية الكاملة هي الانعكاس الأتمّ للتوحيد، وهي الحقيقة التي لا ثاني لها ولا ضدّ لها ولا ندّ، وهي وحدها التي تسلك بالنفوس أعالي قلل التوحيد، وأرفع مراتب العبوديّة في مختلف آفاق الحياة وكلّ أبعاد النفس، كلّ ذلك تحت قبّة الثقلين وعرض بضاعة البشريّة المزجاة على الشريعة الكاملة التامّة الشاملة لكلّ شيء؛ {ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ء} و {ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ}، ومعياريّة الشهود السليم؛ وما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاَّ اللَّهُ والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم‏}،‏ مؤتمّة بالعقلانيّة الأتمّ للأئمّة المعصومين المبرّئين من الزلل، والمنزّهين من كلّ عيب؛ محمّد وأهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين الذين "لا يقاس بهم أحد‏"‏، مسترشدةً بهدي علماء الأمّة وأولياء الدين فهم، أمناء الرسل ما دام شعارهم: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَطيعُون}.. وميزانهم: {أَطيعُوا اللَّهَ وأَطيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأَمْرِ مِنْكُم}‏، فهم الأقدر حينئذ على الأخذ بكتاب الله وسنّة نبيّه، والأقوى في العرض على الثقلين، التزاماً بقول إمامنا الصادق عليه السلام:

(كلّ شيء مردود إلى الكتاب والسنّة)

على هدي هؤلاء الأطهار، يسعى موقعُ "رحاب الوحي" جاهداً ليخطوَ خطوات متواضعة في هذا الطريق.. مستنيراً بكافّة التجارب.. مستعيناً بجميع الطاقات.. ليخاطب كلّ المستويات؛ فمِن أولى أولويّاته نشر شذرات العلماء النورانيّة، وتصفّح صفحات وجود الأولياء الشامخين ونفحاتهم المقدّسة، الذين لامسوا الحقيقة وعاينوها، واتصلوا بمعين العلم وشاهدوا ملكوته رضوان الله عليهم أجمعين.

وفي هذا السبيل سيهتمّ الموقع بدراسات الباحثين المنصفين، وتحقيقات المحققّين المخلصين، فينشر أبحاثهم القيّمة والمثرية في شتّى مجالات العلم والمعرفة: القرآنيّة، الروائيّة، الكلاميّة، التاريخيّة، السلوكيّة، الأخلاقيّة، الفلسفيّة، العرفانيّة، الفقهيّة، الاجتماعيّة، التربويّة، الأسرويّة، المدرسيّة، الأدبيّة، السياسيّة والتنمويّة وغير ذلك... ممّا يروي ظمأ عطاشى العلم والمعرفة والتائهين للقاء الحقّ عزّ وجلّ؛ رجالاً ونساءً، كباراً وصغاراً وعلى جميع المستويات.. راجين من الله أن يوفّق جهود هذه القِلّة القليلة، ببضاعتها المزجاة؛ {إنّهم فتية آمنوا بربّهم وزدناهم هدى}، لا يبتغون المدح والثناء، والأجر والعطاء والثواب إلا من ربّ العالمين، ووليّ الله الأعظم عجّل الله تعالى فرجه الشريف، وأولياء الدين رضوان الله عليهم أجمعين، سائلين الله القبول والسداد، وما توفيقنا إلا بالله عليه توكّلنا وإليه المآب.. وهو الوليّ الحميد.

اللهمّ أنِرْ أبْصَارَ قُلُوبِنَا بِضِيَاءِ نَظَرِهَا إلَيْكَ، حتى تَخْرِقَ أبْصَارُ القُلُوبِ حُجُبَ النُّورِ فَتَصِلَ إلَى مَعْدِنِ العَظَمَةِ، وتَصِيرَ أرْوَاحُنَا مُعَلَّقَةً بِعِزِّ قُدْسِك.. فنبلغ مرضاة وليّ نعمتنا عجّل الله تعالى فرجه الشريف..

اللهم كنّ لوليّك الحجّة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كلّ ساعة وليّاً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً حتّى تسكنه أرضك طوعاً وتمتّعه فيها طويلا..
اللهمّ مَا بِنَا منْ نِعْمَة فَمِنْكَ لا إِلَه إِلا أَنْت..
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

غرّة ربيع الثاني سنة 1433 هجريّة قمريّة
على هاجرها آلاف التحيّة والسلام
موقع رحاب الوحي
www.rehab-alwahy.com