08 شوال 1441 هـ.ق. - الأحد 31 أيار 2020 م.

الرئيسية > في رحاب الأولياء > وصايا السيد علي القاضي رضوان الله عليه في الأشهر المباركة رجب وشعبان ورمضان

وصايا السيد علي القاضي رضوان الله عليه لتلامذته
في الأشهر الثلاثة المباركة

بسم الله الرحمن الرحيم
الْحمدُ للهِ رَبِّ العالمين، والصَلاة والسلامُ على الرَّسولِ الْمبينِ ووَزيرهِ الْوصيِّ الأَمين وأبْنائهما الْخلفاءِ الرَّاشدين والذُّريَّة الطاهرين والخَلَفَ الصالح والماءِ الْمعين صَلّى اللهُ وسلّمَ عليهمْ أجْمَعينَ
والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين
تَنبهْ فَقدْ وافَتكمُ الأشهُرُ الْحرُمْ   تَيقظْ  لكي تَزدادَ في  الزَّادِ واغْتنمْ
فقُمْ في لياليها وصُمْ  منْ نهارها   لِشكْر  إلهٍ  تَم  فِي  لُطْفه  و عَمّْ
و لا  تَهجَعَنْ  في اللَيل  إلاَّ أقَلَّهُ   تَهَجّدْ وكمْ صَبٍّ من اللَيْل لَمْ يَنَمْ
ورتِّلْ كتابَ الْحَقِّ واقرأَهُ ماكثا   بِأَحْسن صوتٍ نورُهُ يشرقُ الظلمْ
فَلمْ تحظَ  بَلْ  لَمْ  يُحظَ  بِمِثْله   و أخْطأَ  مَنْ  غيرَ الذي قُلْتُهُ زَعمْ
وسلِّمْ على أَصْل القُرانِ وفصلِهِ   بَقِيَّة   آل  الله  كُنْ  عبْدَهُ السَّلمْ
فَمنْ دانَ للرَّحْمن في غيرِ حُبِّهمْ   فَقَدْ  ضَلَّ في  إنكارهِ أعظمَ النِّعمْ
فَحُبهمْ  حُبُّ  الإلهِ  اسْتعذْ  به   هُمُ الْعروَةُ الوُثقى فَبالعرْوَة اعْتصمْ
فلاتَكُ باللاهي عن الْقول واعْتَبرْ   معانيه  كيْ  تَرْقى  إلى أرْفَع الْقمَمْ
عَليكَ بِذكر الله  في  كُلِّ  حالةٍ   ولا تَن فيهِ لا تقُلْ كيْفَ ذا وكم!
فهَذا حِمى الرَّحمن فادْخلْ مُراعيا   لِحرماته   فيها   عَظِّمْهُ   و التزمْ
فَمَنْ يعتصم  بالله  يُهْدَ  صراطُهُ   فإنْ قُلْتَ رَبِّي اللهُ يا صاحِ فاسْتقمْ

قالَ عَزَّ منْ قائل: {ومَنْ يعتصِم بِالله فقَدْ هُدي إلَى صِراطٍ مستقيمٍ} [1]
وقالَ: {واسْتقمْ كَما أمرْتَ} [2]
وقالَ جلَّ جلالُهُ العَظيمُ: {إنَّ الذين قالوا رَبُّنا اللهُ ثمَّ استَقَاموا تتَنَزَّلُ عليْهمُ الملائكة} [3]
انتبهوا إخواني الأعزَّة وَفّقَكمُ اللهُ لطاعتِهِ، فَقَدْ دَخلنا في حِمى الأشَهرِ الْحرُمِ[4]، فَما أعظم نِعَم الْباري علينا[5] وأتَمَّ؟! فالْواجِبُ علينا قَبْلَ كُلِّ شيْءٍ التوبَةُ بشُروطها اللازمَةِ, وصَلَواتُها الْمعْلُومَةِ,[6] ثُمَّ الاحتماء مِنَ الكبائِرَ والصَّغائِرِ بِقدْر القُوَّة.

فَلَيْلَةُ الجُمُعة أو يوْمُ الأحدِ تُصَلوُّنَ صَلاةَ التوبة ليلةَ الْجمعَةِ أو نهارِها؛ ثُمَّ تعيدُونها يوْمَ الأحَدِ في الْيومِ الثانِي مِنَ الشَّهْرِ[7] ثُمَّ تلتزمونَ المراقَبَة الصَّغْرى[8] والكُبْرى[9] والمُحاسَبَةَ والمُعاتَبَة بِما هُو أحرى[10] فَإنَّ فيها تَذْكرةً لِمَنْ أرادَ أن يَتَذَكَّرَ أو يَخْشى.
ثُمَّ أقْبلوا بقلوبكُمْ, وداوُوا أمراضَ ذُنوبكُمْ, وهَوّنوا بالاسْتغْفار خُطُوبَ عُيوبِكُمْ, وإياكُمْ وهَتْكَ الْحرماتِ فَإنَّ مَنْ هَتَكَ وإنْ لَمْ يهتكِ الكريمُ عليِهِ فهُو مَهْتوكٌ. وأنّى يرْجى النجاةُ لِقلبٍ ارتبكَتْ فيهِ الشّكوكُ[11] حتى يسلِكَ سَبيلَ المتقينَ ويَشْربَ منَ الماءِ الْمَعينِ مَعَ الْمُحسنين.. واللهُ الْمستعانُ على نَفْسي وأنْفسِكُمْ وهُو خيْرُ مُعينٍ.
عَليْكُمْ بالْفرائض في أَحْسن أوقاتها وهي مَعَ نوافلها الإحدى والخمْسين[12] فانْ لَمْ تتَمَكَّنُوا فبأرْبَعٍ وأرْبعينَ[13] وإنْ مَنعتكُمْ شواغِلُ الدُّنْيا، فَلا أقَلَّ مِنْ صلاة الأوَّابين.[14]
وأما نَوافلُ الليْلِ فلا محيصَ منها عنْدَ المؤْمنين, والعجبُ ممَّنْ يَرومُ مرْتبةً مِنَ الكَمالِ وهُو لا يَقُومُ الليالي! وما سَمعنا أحَداً نالَ مرْتبةً مِنهُ إلا بِقيامِها.
وعَليكُمْ بقراءة الْقرآنِ الْكريم في الليل بِالصوتِ الْحَسَنِ الْحزين، فهُو شرابُ الْمُؤمنين.
وعليكُمْ بالتزام الأوْراد الْمعْتادَة التي هي بيد كُلِّ واحدٍ منْكُمْ.
والسّجْدَةِ الْمَعهُودَةِ[15] مِنْ 500 إلى1000.
وزيارَة المشْهد الْمعظَّم الأعظم كُل يومٍ[16].
وإتيانُ الْمساجدِ الْمعظَّمَة[17] ما أمْكنَ, وكذا سائِرَ الْمساجدِ. فَإنَّ الْمُؤْمن في الْمسجد كالسّمكة في الماءِ.
ولا تترُكوا بَعدَ الصلواتِ الْمفروضاتِ تسبيحةَ[18] الصِّديقة صلواتُ اللهِ عليها، فإنَّها مِنَ الذِّكْر الكبير, ولا أقَلَّ في كلِّ مَجْلِسٍ دوْرَة[19]
ومِنَ اللازمِ الْمُهمَّ الدُّعاءُ لفرجِ[20] الْحجَّة صَلواتُ اللهِ عَليهِ في قُنوتِ الْوتر, بَل في كُلِّ يومٍ وفي جميع الدَّعوات.
وقراءةُ الْجامعة[21] في يومِ الجُمُعة أعْني الجامعةَ الْمعروفَةَ الْمشروحَة.
ولا تَكونُ التلاوة[22] أقلَّ مِنْ جزْءٍ.
وأكْثروا منْ زيارة الإخوان الأبرار؛ فإنّهمْ الإخْوانُ في الطريق والرَّفيقُ في المضيق.
وزيارة القبور في النَّهار غبّاً[23] ولا تزورُوا ليْلاً.
مَا لنا وللدُّنْيا قَدْ غرَّتْنا! وشَغلتْنا واسْتهوَتنا وليْسَتْ لَنا!!
فَطوبي لرجالٍ أبْدانُهمْ في الناسوت وقلوبُهُمْ في اللاهوتِ.. أولئك الأقلونَ عدَداً.. والأكْثرونَ مَدَداً.. أقولُ ما تسْمعونَ وأَسْتغفرُ الله.

[1] - القرآن الكريم, سورة آل عمران, ذيل الآية 101.
[2] - القرآن الكريم, سورة الشورى, جزء من الآية 15.
[3] - القرآن الكريم, سورة فصلت, صدر الآية 30.
[4] - اصطلاح الأشهر الحرم إنّما يطلق على محرم وذي القعدة وذي الحجة ورجب, ووجه التسمية أنّه يحرم فيها القتال لما لها من الفضل والحرمة عند الله, فهي أشهر الجهاد الأكبر لا الأصغر, ويجب على المسلمين فيها أن يتفرّغوا لقتال عدوّ النفس والأنا والهوى, وسبب توسعة الاصطلاح وإطلاقه على شهري "شعبان ورمضان" هو للتغليب والتعظيم لما لها من الحرمة الباطنية عند أهل السلوك, ولا يخفى أنّ هذه الاشهر المباركة هي الأشهر التي يستعد الناس فيها للحج والعمرة سواء لإدراك العمرة الرجبية أو للحج في شهر ذي الحجة الحرام.م
[5] - حيث منّ الله تعالى على الأمّة بمواسم مباركة وأيام فضيلة وشهور عظيمة تقرّب الإنسان إلى ربّه, وتصبح سرعة حركة السالك فيها في زيادة واشتداد دائم, فهذه الأيام من أيام الله تعالى التي تنزل فيها نفحاته على عباده, حيث يقول سبحانه: ألا إنّ لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها ولا تعرضوا عنها, لذلك كانت هذه الأشهر كالحرم الإلهي الذي يرد الإنسان فيه.م
[6] - المقصود طريقة التوبة التي بينها رسول الله صلى الله عليه وآله، وهي مذكورة في كتب الأدعية مثل (مفاتيح الجنان) في أعمال شهر ذي القعدة ، حيث يقول في المفاتيح في أعمال شهر ذي القعدة: وصفتها أن يغتسل في اليوم الأحد ويتوضّأ ويصلّي أربع ركعات يقرأ في كلّ منها الحمد مرّة وقُلْ هُو اللهُ اَحَدٌ ثلاث مرّات والمعوّذتين مرّة ثمّ يستغفر سبعين مرّة ثمّ يختم بكلمة لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاّ بِاللهِ الْعَليِّ الْعَظيمِ ثمّ يقول: يا عَزيزُ يا غَفّارُ اغْفِرْ لي ذُنُوبي وَذُنُوبَ جَميعِ المؤمِنينَ وَالْمُؤمِناتِ فَاِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاّ أنْتَ .
[7] - لعل مراده الأحد الثاني من الشهر. ولكنّ المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه يعلّق على تقييد السيد القاضي رضوان الله عليه الأحد بقوله (في الشهر الثاني) بأنّ هذا التقييد غير واضح, حيث يقول قدس سره: "لم يظهر لي معنىً في تقييد يوم الأحد باليوم الثاني من الشهر, والعمل بالرواية الواردة في التوبة بعد إلغاء ذي القعدة منها لا يمكن العمل بها إما في يوم الأحد أو اليوم الثاني" مخطوطة للعلامة الطهراني "جنك" صفحة 198.م
[8] - القيام بالواجبات وترك المحرمات.م
[9] - مشاهدة الحقّ تعالى متجلياً في كلّ شيء, فنرى الله في كلّ شيء, ومع كلّ شيء وبعد كلّ شيء.م
[10] - بشكل جاد وحازم بحيث يمحو الإهمال السابق ويرمّم التضييع ويزيل حالة العصيان. م
[11] - أي أنّ من أهم الواجبات الحتمية للسلوك إلى الله تعالى، اليقين بالمبدأ والمعاد وحقانية الطريق والاطمئنان والوثوق بالمرشد الخبير، فعلى السالك أن يمضي بقدم اليقين والبرهان ليحرز الاطمئنان والوثوق بالمرشد الخبير, ومع الشك والترديد يجب عرض كلامه على الثقلين كتاب الله وسنة نبيه وكلام المعصومين عليهم السلام وبذلك تنتزع مادة الشك ويحصل اليقين ويتمكّن السالك إلى الله من التبعيّة والاستفادة من وجود المرشد الحكيم المبارك.
[12] - وذلك أنّ الصلوات الواجبة سبع عشرة ركعة، وبضم نوافل كلّ واحدة بهذا الترتيب: ركعتان نافلة الصبح, ووقتها قبل صلاة الصبح، وثمان ركعات نافلة الظهر, وثمان ركعات نافلة العصر, تصلّى قبل فريضتي الظهر والعصر، وأربع ركعات نافلة المغرب, ووقتها بعد المغرب, وركعتان من جلوس (وهي تعادل ركعة واحدة) أو من قيام وهي نافلة العشاء, ووقتها بعد صلاة العشاء, ومجموعها ثلاث وعشرون، يضاف عليها إحدى عشرة ركعة لصلاة الليل, فيكون مجموع كلّ النوافل أربعاً وثلاثين ركعة، وهكذا يكون مجموع الفرائض والنوافل اليومية إحدى وخمسين ركعة.
[13] - وذلك بحذف أربع ركعات من نافلة العصر وركعتين من نافلة المغرب و(الوتيرة) ليصبح مجموعها سبع ركعات. (هذا التوضيح من العلامة الطهراني رضوان الله عليه).
[14] - المقصود بها نافلة الظهر.
[15] - أي السجدة اليونسية التي يذكر فيها قوله تعالى: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}.م
[16] - ومراده رضوان الله عليه حرم أمير المؤمنين عليه أفضل الصلوات والتسليم, ويلحق به مشاهد سائر الأئمّة عليهم السلام وبعدها مشاهد الأولياء رضوان الله عليهم أجمعين. م
[17] - المراد مسجد السهلة ومسجد الكوفة, وومثلها المسجد الحرام والمسجد النبوي, ويلحق بها المساجد المعظمة.م
[18] - وهي: 34 مرة الله أكبر, 33 الحمد لله, 33 سبحان الله.
[19] - أي في كل صلاتين (ظهر وعصر) أو (مغرب وعشاء) تسبح بتسبيح الزهراء عليه السلام مرة واحدة على الأقل.م
[20] - وهو الدعاء الوارد في مفاتيح الجنان، والذي يشرع بالعبارة التالية: "إلهي عظم البلاء و برح الخفاء..."
[21] - وهي الزيارة الجامعة الكبيرة. م
[22] - أي تلاوة القرآن الكريم التي أوصى بها قبل أسطر رضوان الله عليه. م
[23] - الزيارة في كل يومين مرة أو في كل أسبوع, وليس كلّ يوم. م
ملاحظة: أصل هذه الوصية المباركة مأخوذ من مخطوطات العلامة الطهراني رضوان الله عليه, وأما الحواشي فبعضها من شرح نفس المرحوم العلامة الطهراني رحمه الله وبعضها من نجله سماحة السيد محمد محسن الطهراني حفظه الله وبعضها من الهيئة العلمية في موقع رحاب الوحي.

 رحاب الوحي 

 
عودة الى القائمة