22 ربيع الأول 1441 هـ.ق. - الأربعاء 20 تشرين الثاني 2019 م.

الرئيسية > دراسات > البحوث الإجتماعية والتربوية > الاختلاط وتقوية الرادع الذاتي


الاختلاط
وتقوية الرادع الذاتي
 

 

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين

يقول الله عزّ وجلّ في محكم كتابه الكريم: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ الْمُؤْمِنينَ يُدْنينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى‏ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحيماً } [1] صدق الله العليّ العظيم

تبيّن هذه الآيات الكريمة الطبيعة الأنثويّة الفطريّة, القاضيّة بالشعور بالأذيّة فيما لو تعرّضت الفتاة للنظر من غير ذي محرم, أو واجهتها إشارات مباشرة من إنسان يودّ التحرّش بها, فتشعر بالحرج والضيق والأذيّة والهتك والتعدّي, نعم, هكذا هي المشاعر الطبيعيّة للفتاة النقيّة الطاهرة التي لم تزل على فطرتها.

كذلك فطرة الشاب, فإنّها تميل في أصلها إلى العفّة والشهامة والتعفّف والحميّة والغيرة والتورّع والغضّ من البصر والخجل من المواجهة المباشرة مع الجنس الآخر, فطبيعة الشاب الفطريّة تقضي بنوع من الاحترام لخصوصية أنوثة الفتاة, فيشعر بالحرج والتحرّج من مباشرة النظر إليها والتعامل معها, ويشعر باضطراب وانكسار وحرقة من أعماق قلبه حينما يرى أنّ أنوثة الفتاة وعفّتها قد أزهقت أو هتكت وتبدّدت.

وهذه المشاعر الفطريّة تفرض على الطرفين ـ الشاب والفتاة ـ نوعاً من الحدود الإنسانيّة الإيجابيّة الجميلة, فيحسّ كلّ منهما بحاجز وحائل رادع اتجاه الطرف الآخر, حاجز يُشعرهما بالوجل والخجل في علاقتهما مع الجنس الآخر, ممّا ينظّم العلاقة بينهما بشكل فطري بريء طاهر, فلا يتعدّى كلّ منهما بمزاح, ولا يسرق الطرف بنظرة, ولا يفرط مع الآخر بفكاهة. فمع كونهما يشعران بنوع من الانجذاب اتجاه الآخر, إلا أنّ مشاعر النبالة والشهامة والنزاهة والعفة والخجل والهيبة للطرف الآخر تمنعهما من الوقوع في مشاعر التفلّت والانخراط الزائد عن حدّ الضرورة. ولنا أن نطلق على هذه المشاعر بأنّها النظام الفطري والغريزي الأولي لدى الجنسين.

ومن الضروري للشاب والفتاة أن يديما هذه المشاعر النبيلة, فهي رأسمال الشباب والفتوّة سواء في الشاب أو الفتاة, ولو خمدت هذه المشاعر فهذا يعني أنّ فطرة الطرفين قد تبدّلت, وأنّ سجيتهما قد انهارت, ممّا يعرض منظومة الأنوثة والشباب إلى التبدّد من رأسها, وهو مؤشّر نفسي سلبي, ينبئ عن خسارة كبيرة في سيكولوجية الأخلاق الفطرية لدى الشاب والفتاة.

من هنا كان على الشاب والفتاة أن يهتمّا بشكل دقيق بهذا النظام الفطري ليحافظا عليه طوال حياتهما, فلا يقعان في عملية الهتك والهدم وكسر الحدود الفطرية التي فطرهم الله عليها, فالحفاظ على هذه المسافة الوسطيّة يخلق نوعاً من الجاذبيّة والانجذاب الطاهر والبريء والمنظّم بين الجنسين, لكنّه انجذاب مقنّن ومنظّم من الداخل ومن النفس, انجذاب لا يؤدي إلى أيّ خرق أخلاقي أو شرعي أو اجتماعي, فلا يخترقان الحدود والأدب والعفّة والطهارة في التعامل مع الجنس الآخر.

ومن الضروري أن يستمرّ الشاب والفتاة في هذه المشاعر إلى مرحلة ما بعد الزواج أيضاً, فيدخل كلّ منهما مهده الزوجي القائم على أساس السكن إلى الطرف الآخر والمودّة والرحمة, وهو المستفاد من قوله تعالى {خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً ورَحْمَة} [2] , فلا يتمكّن الشاب والفتاة في مرحلة الاقتران الزوجي الناجح أن يعقدا مشاعرهما على أساس "السكن والمودة والرحمة" ما لم يستمدّا من مشاعرهما الفطريّة السالفة. لذلك فمن يُزهق نفسه بتلك المعادلة المؤلمة أيّام شبابه, ويذبح فطرته ويغيّرها أيّام المراهقة, ويبدّلها عبر الاختلاط والفكاهة والمسامرة والدعابة والدلع والغنج, والذي يمثّل نوعاً من التعدي على النظم الأولي للحشمة والعفة والطهارة, فسيصعب عليه كثيراً أن يستشعر بالمشاعر الانجذابيّة نحو الطرف الآخر بشكل طبيعي في الحياة الزوجيّة, وستكون معدّلات الانجذاب نحو الطرف الآخر قليلة ضعيفة فاترة غالباً, وستضعف فرصة الشعور بالسكن والمودة والرحمة اتجاه الآخر, ولو أنّ نفس هذه الفكاهة والغنج والدعابة قد حصلت في ظلّ العلاقة الزوجية والمهد الأسروي الحقيقي, فإنّها تمثّل حالة من العبوديّة المقرّبة لله تعالى والطاهرة, فتقرّب الزوجين إلى بعضهما البعض, وتزيد بالإحساس بالسكن وتزيد من معدّل المودّة والرحمة بينهما, وسيكون لها الأثر التكاملي والتفاعلي المنتج والمثمر.

وهذا يعني أنّ معدّل الاستقرار والألفة والتفاهم سينخفض إلى مستويات متدنّية, والحال أنّ القرآن الكريم يجعل من ذلك الأساس والقاعدة في الحياة الزوجيّة والأسرويّة, لذلك نلاحظ أنّ المعتادين على الاختلاط قبل الزواج يشعران بشيء من الملل والفتور في علاقتهما الزوجيّة, ويشعران بعدم الرغبة إلى المزاح والفرح والمرح ببعضهما البعض, ممّا يعيق عليهما عمليّة الانصهار النفسي, والتكوّن الأسروي, والتأهيل الزوجي, والذي من المفترض أن يكون اللبنة الأساس والعماد الأول للانطلاق بالتوافق الأسروي الآمن والقوي والمتين.

إنّ الاختلاط الغير الشرعي يقتل الفطرة ويدمّرها بشكل سام وفتّاك, كذلك له تأثيراته العميقة على المنظومة الأخلاقيّة والتكوّن النفسي والسلوكي لدى الإنسان, وله أبعاد عباديّة متنوّعة على مستوى علاقة الإنسان بالله عزّ وجلّ؛ فالاختلاط المرحي والغنجي والفكهي مع الجنس الآخر ـ مع غير ذي محرم وخارج الإطار الأسروي والزوجي ـ قد يزيد من معدّلات الحسد والغيرة والتعب والأرق, وقد يرفع من معدلات الإحساس بالفشل أو التسرّع لدى المراهقين, كذلك قد يؤجّج الغبطة الزائفة والشعور بالتباهي والتفاخر, و يؤدّي إلى التمادي بالفضول والقال والقيل والمماراة, مضافاً إلى تأجيج الحبّ الكاذب والعشق الخادع القائم على المصلحة الآنيّة, وهو ما ينعكس سلباً وبشكل خطير على المشاعر التوحيديّة المقدّسة مع الحق سبحانه وتعالى, فيميت من القلب معنى العبوديّة من رأسها, ولا يعود بإمكان الإنسان أن يعيش مع ذاته بشكل واقعي, ولا يعود يتفكّر بنفسه وبخالقه بشكل فطري واضح, فيعجز عن استشعار حاله وحالاته الكامنة في نفسه, ممّا يقعد السالك في وسط الطريق بلا حراك ولا قدرة ولا همّة على شيء, فالاختلاط يوقع صاحبه في دوّامات متلوّنة تضعف قلبه وعقله وتوجّهه إلى عوالم الغيب والشهود والحقيقة, وفي الحقيقة فإنّ الاختلاط المحرّم يقتل التوجّه إلى الله من رأسه, ويشعر الإنسان ـ في حالات الفتور الناشئ من عملية انقباض النفس بُعيد الضحك والفكاهة مع الجنس الآخر ـ بحالات من اليأس والتعب والنصب, ممّا يثنيه عن المراقبة والمحاسبة والإحساس بجدّية العلاقة مع الله تعالى, ولا يظنّ الإنسان أنّ آثار الاختلاط المحرّم مع الجنس الآخر, مماثلة ومشابهة لما يحصل في الأسرة وفي الحياة الزوجيّة من الناحية السلوكيّة, فما دام هذا جائزاً وغير مضرّ فذاك كذلك! لأنّ الفارق بينهما ما بين السماء والأرض, فالاختلاط الأسروي ممزوج بالمحبة والإخلاص وتحمّل المسؤولية ـ حلوها ومرّها ـ ومخالفة الهوى والأنا لإسعاد الطرف الآخر, وما يستعقب ذلك من مشاعر المودّة والإخلاص والسكن والرحمة والإحصان والهدوء والتعايش الإنساني الطاهر والبريء والطاهر بشتّى مراتبه وأشكاله, وجميع هذه المشاعر مفقودة في الاختلاط المحرّم الذي لا يخرج عن كونه لأجل الغريزة والنزعة النفعيّة الآنيّة.

لذلك نلاحظ أنّ الذين يعيشون في أجواء الاختلاط بين الجنسين يميلون عادة إلى الموسيقى وكثرة تناول الأكل وكثرة التسلية واللعب, ومشاهدة المسلّيات بشكل كثير... لماذا؟ لأنّ نفوسهم متعبة مرتجفة مضطربة دائماً, ولا يشعرون بالراحة والارتياح إلا في ظلّ أجواء تهدئهم وتنسيهم حالة الفتور التي يعانون منها طوال الساعات الأخرى التي لا يختلطون فيها مع الجنس الآخر, ممّا يحوّل حياتهم إلى وحشة حقيقيّة واستيحاش مؤلم, فحالهم كمن يشرب من ماء البحر فلا يزيده الشرب إلا عطشاً وظمأ ولوعة وحرقة.

من هنا, كان النظام الإسلامي الدقيق والعملي والمنطقي قد عمد إلى معالجة مسألة الاختلاط من رأسها وبشكل جذري, بحيث لا يوقع الجنسين في أتون الإدمان وأرق التجاذب المؤدّي إلى كرّ وفرّ نفسيّين, والمتّصل بفراغ مؤلم يستعقب حالة السرور والفكاهة التي يحسّان بها لساعات معدودة أثناء الاختلاط. ويجدر بنا كثيراً أن نتأمّل في معالجة المعصومين عليهم السلام لهذا الموضوع الحساس, لذلك سنذكر بعضاً من الروايات الكريمة التي تتناول هذه الظاهرة الاجتماعيّة الخطيرة: 
فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «... من فاكه امرأة لا يملكها حُبس بكلّ كلمة كلّمها في الدنيا ألف عام [في النار]، والمرأة إذا طاوعت الرجل فالتزمها أو قبّلها أو باشرها حراماً أو فاكهها وأصاب منها فاحشة فعليها من الوزر ما على الرجل، فإن غلبها على نفسها كان على الرجل وزره ووزرها» .

 

من هنا فلا يمكن أن نسلّم للمتشدّقين بنظرية تحرير المرأة وتحرّرها, ممّن يدفعون بالمرأة نحو جميع أنواع الاختلاط والابتزاز الأنثوي من الجنس الآخر تحت شعار (حريّة المرأة وتساويها ومساواتها مع الرجل), فجعلوها بذلك سلعة رخيصة بيد الرجل!! بينما الإسلام العظيم لم يمنع من الاختلاط لكون يميّز بين المرأة والرجل تمييزا طبقيّاً أو عرقياً أو صنفياً أو جنسياً أبداً, بل الهدف من ذلك صيانة جماليّة المرأة وخلابيّتها, والحفاظ على عفّتها وأنوثتها الثمينة جدا جدا, هذه الأنوثة التي لا يستقيم المجتمع بدونها, ولا تستمر الحياة بمنأى عنها, فالأنوثة الطاهرة تعدل عند الله رجولية الرجل وقيموميّته ومسؤوليّته الاجتماعيّة وفتوّته التي بها يتحمّل جميع مهامه الاجتماعيّة, بل إنّ هذه الأنوثة بما تمثّله من مركز جاذبي للجنس الآخر, تعتبر محوراً هاماً في العلاقات الإنسانية التي قام على أساسها قانون الخلقة العام المستفاد من قوله تعالى {يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأُنْثى‏ وجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبيرٌ} [3] , فهذه الآية الكريمة تؤكّد على بنيويّة المجتمع البشري على أساس أصالة الاجتماع بين الجنسين, وأصالة التكوّن الأسروي والزوجي دون أن يكون هناك فضل لأحد على الآخر أو لجنس على الآخر.

من هنا كان الإسلام مدافعاً عن جوهرة الأنوثة بشكل كبير وجاد, فلا يسمح لأيّ شكل من أشكال التلاعب أو التساهل أن تتسرّب إلى دائرة سيكولوجيا الأنوثة, فالاختلاط يؤول ـ عادة ـ إلى التلاعب بالأنوثة, وهو بوابة التجارة الإعلانيّة العالميّة والترويج السلعي في عالم الاقتصاد والصناعة والاستثمار والدعاية, ممّا جعل نظريّات تحرير المرأة وتحرّرها لا تشمل المرأة إن تعدّتْ سنّ الثلاثين أو الأربعين!! فتحرير المرأة يراد منه تحرير الشابة الشبقة التي تبرز مفاتنها بأرخص الأثمان للكاميرا والإعلان, كي تسدّ حاجات سوق العمل والتجارة والاستثمار والإعلان والدعاية والبروتوكالات الاستعراضية التي تتطلّب عنصراً أنثوياً استهلاكياً, يروّج للسوق والاستهلاك.

في الوقت الذي نجد أن ّالإسلام قد منع من جميع ذلك, فسدّ منافذه من أوّلها, واضعاً الأنوثة ضمن مقامات ثلاث: 
- طفولة تقتضي المحبة والرحمة والعطف. 
- شابة تقتضي أن تصان كما تصان الجواهر تدخل في عقد العلاقة الزوجية الطاهر. 
- أمّاً مربيّة مضحيّة تبني المجتمع عبر مؤسسّته الأولى ألا وهي الأسرة, فتستحقّ حينئذ لقب: الجنّة تحت أقدام الأمهات. 
وبهذه المقامات الثلاث ستنال الفوز الأبدي وسيشملها قوله تعالى {مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحات‏} [4] وكذلك قوله تعالى {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنينَ والْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدينَ فيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في‏ جَنَّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظيمُ} [5] .

 

وكم هو الفارق بين تعظيم القرآن والإسلام للمرأة وبين نظرة دعاة التحرير والتحرّر إليها كسلعة رخيصة لقضاء مآرب معلومة.. كذلك ورد رسول الله صلى الله عليه وآله: «... من صافح امرأة حراماً جاء يوم القيامة مغلولا، ثم يؤمر به إلى النار» , كذلك ورد عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: «لا تسلم على المرأة» [6] , وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله: «نهى أن يدخل على النساء إلا بأذن الأولياء» [7] , وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا جلستْ المرأةُ مجلساً فقامت عنه فلا يجلس في مجلسها رجل حتّى يبرد» ، قال: و «سئل النبيّ صلّى الله عليه وآله ما زينة المرأة للأعمى قال الطيب والخضاب فإنّه من طيب النسمة» , وعن الإمام موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبث في موضع تُسمع نفس امرأة ليست له بمحرم» [8] , وعن عليّ أمير المؤمنين عليه السلام قال: «ثلاثة من حفظهنّ كان معصوماً من الشيطان الرجيم ومن كل بليّة: من لم يخل بامرأة لا يملك منها شيئاً، ولم يدخل على سلطان، ولم يُعنْ صاحب بدعة ببدعته» , وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه: «نهى عن محادثة النساء ـ يعني غير ذوات المحارم» ـ وقال «لا يخلون رجل بامرأة, فما من رجل خلا بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما» , وعن أبي بصير، قال: كنت أُقرئ امرأة كنت أعلمها القرآن فمازحتها بشيء، فقدمتُ على أبي جعفر عليه السلام فقال لي: «أيّ شيء قلت للمرأة؟ فغطيت وجهي فقال: لا تعودَنّ إليها» [9] , وعن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: «ومن بلغ الحلم فلا يلج [يدخل] على أمّه ولا على أخته ولا على خالته ولا على سوى ذلك إلا بإذن..»

نعم, على أساس ذلك يجب أن تبنى العلاقات الاجتماعيّة, فلا بدّ وأن نؤسّس لثقافة اجتماعيّة واعية تختزن في مطاويها الأسس الفطريّة والشرعيّة بكلّ أبعادها القاضية بعدم اختلاط الجنسين إلا للضرورة. ويبرز دور الأهل جليّاً في تكوّن هذه الثقافة عبر الأجيال, فوظيفة الأهل تتجلّى في تعزيز المشاعر الفطرية النبيلة والعفيفة للشاب والفتاة, ممّا يعزّز لدى الشاب والفتاة ـ من سنّ التمييز إلى المراهقة ـ مشاعر الحياة والعفة وغض النظر وخفض الصوت وعدم المزاح أو الاحتكاك الغير الضروري مع الجنس الآخر, ولو سار الأهل على هذا المخطّط ردحاً من الزمن فسيلمسون تكوّناً جديداً لدى ذهنيّة الشاب والفتاة, تكوّناً يقضي بوجود نسيج من مشاعر العفة والاحترام والعفّة والورع والتورّع عن الخوض في المزاح والفكاهة وتبادل المشاعر المريبة واللامنضطبة مع الطرف الآخر, وما أروع المبدأ القرآني الذي يقطع الحبل من أوّله, حيث يقول عزّ وجلّ: {قُلْ لِلْمُؤْمِنينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى‏ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبيرٌ بِما يَصْنَعُونَ * وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ولا يُبْدينَ زينَتَهُن‏} [10], فمن سدّ منافذ الاختلاط بقطع النظر وإبداء الزينة فسوف يعفي نفسه من الورود في هذا الوادي السحيق.

ولا يخفى ما للأب والأم والإخوة الكبار من تأثير على الأجيال الصاعدة فيما لو بدؤوا بأنفسهم كقدوة لهم, فيبدأ الأب بنفسه, وتمارس الأم حياءها وعفافها وطهارتها بشكل واضح وجليّ أمام ابنتها, لتشعرها بأنس العفّة ودفئها وجماليّة الحشمة وتميّزها عن الممارسات الرخيصة للاختلاط اللاشرعي.

ومن الطبيعي جداً أن لا نقلّل خطورة وسائل الاتصالات التي تسهّل عملية التواصل مع الجنس الآخر بشكل عجيب ومفرط, فلا بدّ للشاب والفتاة أن يكونا منطقيّين من هذه الناحية, فتسلّط الأفكار التي تهجم على الإنسان بشكل مفاجئ, والتي تقبع به في قفص الانفعالات النفسية والشهوانية في النهار والليل, وفي البيت والشارع, وفي المدرسة والجامعة, والمعهد والمهنيّة, والعمل والمكتب... كلّ ذلك دليل واضح صارخ على ضرورة تقنين الاستفادة من تكنولوجيا الثورة المعلوماتية المتوفرة بأرخص الأثمان وأيسرها, فمع أهمية الهاتف والكمبيوتر والانترنيت, إلا أنّ سوء الاستفادة من هذه الوسائل قد يبلغ بالإنسان حدّ الانحراف والضياع والسقوط والفضيحة وخسران الدين والدنيا, وتخريب العلاقات والروابط الاجتماعية, وانهدام المشاعر السيكولوجية والتربوية لدى الفرد, من هنا, حينما نلاحظ حجم الخسارة فلا بدّ من التقنين والتنظيم والرقابة والحزم والضبط والمحاسبة والمراقبة والمتابعة... وهنا يتجلّى دور الأهل, بوصفهم المساعد الآمن للشاب والفتاة في تنظيم وتقنين استعمالهما للتكنولوجيا المعلوماتية, بما ينسجم مع سنّ وإرادة وانضباطهما, والأهل أخبر وأعرف, وهو واجب وجوباً عينياً على الأهل, فلا يجوز لهما إيكال الأمر إلى الشاب والفتاة أنفسهما, ولو تخلّف الابن أثم الجميع!! فـ {الإنسان على نفسه بصيرة}..

وهنا, فلو أحسّ الإنسان أنّ الجوّ الذي يعيش فيه سيكون مدعاة ـ بشكل حتمي وقطعيّ ـ للوقوع في الحرام, فيجب عليه ومن باب المقدّمة أن يقطع جميع منافذ الحرام, ولا يخفى أنّ للزواج المبكّر الأثر البالغ والناجع في معالجة أغلب ـ إن لم يكن جميع ـ آثار الاختلاط الحرام, كلّ ذلك مضافاً إلى الاهتمام بالرادع الذاتي والتربيّة الذاتية والمراقبة الشخصيّة بشكل دائم, وإلا فبدون الرادع الذاتي, فقد يسقط الإنسان ويتهاوى حتّى وإن كان متزوّجاً أيضاً, فيوقع نفسه في وادي الاختلاط المحرّم والمدمّر, ويعيش تحت وطأة أحسيس مختلفة تشعره بالضغط والاضطراب والتجاذب النفسي السلبي, ممّا يفقده حالة الإحصان والسكن التي من شأن الزواج أن يمدّه بهما.. لذلك فإنّ المراقبة وضبط النفس هما الأساس وعلى الله التوكّل ومنه المستعان.

سائلين الله تعالى أن يوفّق الجميع لمراضيه إنّه خير مسؤول كريم 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

[1] - القرآن الكريم, سورة الأحزاب، الآية 59.
[2] - القرآن الكريم, سورة الروم, مقطع من الآية 21.
[3] - القرآن الكريم, سورة الحجرات, الآية 13.
[4] - القرآن الكريم, سورة التحريم, مقطع من الآية 5.
[5] - القرآن الكريم, سورة التوبة, الآية 72.
[6] - جامع أحاديث الشيعة جزء 20 صفحة 307.
[7] - م.س, صفحة 308.
[8] - م.س, صفحة 309.
[9] - وسائل الشيعة ج 14 ص 144
[10] - القرآن الكريم, سورة النور, الآية 30 ومقطع من الآية 31.
عودة إلى القائمة