13 ربيع الأول 1441 هـ.ق. - الإثنين 11 تشرين الثاني 2019 م.

الرئيسية > دراسات > البحوث الإجتماعية والتربوية > بيان حول إحياء شعائر عاشوراء - جمعٌ من علماء الدين في صور⁠


بسم الله الرحمن الرحيم
أهلنا الأعزاء في مدينة صور عظم الله أجوركم جميعاً بمصابنا بسيد الشهداء وأهل بيته وأصحابه عليه وعليهم السلام..
السلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته..
تعقيباً على ما تتناقله بعض وسائل الإعلام وبعض شبكات التواصل الاجتماعي فيما يخص شعائر عاشوراء المقدسّة وخاصة بعد خطاب الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله حفظه الله يوم الثامن من محرم الحرام، وما لمسنا من ارتدادات على القاعدة الشعبية الكريمة, فقد اقتضى التوضيح والتأكيد على بعض الثوابت فيما يلي:
أولاً: لم يتعرض سماحة الأمين العام لأحد من المراجع الكرام في كلامه أبدا، والدليل واضح وجلي للجميع, لأنه ليس هناك أحد من المراجع يأمر مقلديه بالمشي على النار أو صناعة مجسم أو وضع أسد على ضريح وما شابه ذلك, فليس هناك مرجع شيعي واحد قد شجّع على هذه الفعال أبدا، إذن كلام سماحته لم ينل أحداً من المراجع العظام على الإطلاق أعلى الله شأنهم، فما يتناقله البعض حول ذلك عار عن الصحة جملة وتفصيلا.
ثانياً: لم يعرّض سماحته في معرض كلامه بأبناء حركة أمل الأبرار أبداً, كيف وهم فلذات كبده الذين يواسون الزهراء والحسين عليهم السلام في مجالسهم الكريمة التي يشهد القريب والبعيد على خلوصها وطهارتها وأصالتها ورزانتها، بل ونحن كمواطنين في مدينة صور نرى بأم العين كيف أنّ الكثير من الحركيين يحضرون في مجلس حزب الله, والكثير من أبناء حزب الله يحضرون في مجلس حركة أمل وبشكل متكرر.
ثالثاً: إنّ تعيين الشعائر وكيفية التعبير والتفاعل العاطفي والولائي وآلياته ووسائله، وتحديد مشروعيتها لهو أمر شرعي يرتبط بمراجع التقليد العظام المستجمعين لشرائط الإفتاء المنصوص عليها في الرسائل العملية، وعلى كل مكلّف أن يستفتي مرجعه بشكل دقيق وواضح ليتأكد من سلامة فعله وبراءة ذمته أمام الله سبحانه وتعالى، سواء على مستوى العنوان الأولي أم العنوان الثانوي الذي ينقلب أحيانا إلى 180 درجة في العديد من المواضع فقد تكون محللة أولا وبالذات فتصبح محرمة قبيحة مستقبحة بالعنوان الثانوي، وهو ما يحتاج إلى استفتاء دائم وتواصل متين مع المراجع العظام ومكاتب الاستفتاء الشرعية.. وهنا نطرح هذا السؤال: (ألا يجدر بمقلدي المراجع العظام أن يوجّهوا استفتاء واضحاً صريحاً لا لبس فيه حول تحديد كيفية وآليات الشعائر الحسينية التي تتناسب مع قداسة الإمام الحسين أرواحنا فداه؟!) فبدلاً من أن يشرع المكلفون بالإجابة والتعليق والرد هنا وهناك عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ألا يجدر بالمقلدين لمراجعهم العظام ـ وخاصة بعد كلام سماحة الأمين العام ـ أن يتوجهوا إلى مكاتب مراجعهم ليستفتوا عن مسألة حساسة حرجة؟! مسألة حساسة اقتضت من سماحة الأمين العام ـ وهو أحد العلماء الخلصين والمطلعين والواعين والمواكبين ـ اقتضت أن يرفع الصوت عاليا، ألا ينبغي لنا كمقلدين أن نوجه سؤالاً واضحاً موضوعياً واقعياً يراعي خصوصيات الزمان والمكان لبلدنا الصغير الذين نعيش فيه؟ فخوض شبابنا وفتياتنا الأعزة في هذه المسائل دون استفتاء واضح وصريح قد يسيء لقضية الحسين عليه السلام وقد يطيح بالجهود المتراكمة والكثيرة التي أسسها علماؤنا الأبرار لتوضيح قضية عاشوراء وكربلاء على مر العصور والأزمان؛ بدء من المقدس السيد عبد الحسين شرف الدين إلى سماح المغيب السيد موسى الصدر أعاده الله إلى الشيخ محمد جواد مغنية والشيخ موسى عز الدين والسيد محسن الأمين وباقي العلماء الذين عملوا على إرساء وشرح مدرسة عاشوراء حتى قبلها السني والمسيحي والدرزي بل والعلماني!! لذلك نرى أنّه بدلا من القيل والقال علينا أن نستغل الفرصة اليوم ـ وقبل الغد ـ لتوجيه استفتاء عام وشامل ـ وموحد يتفق على صياغته الجميع ـ يحدد الأطر العامة لإحياء الشعائر الدينية سيما الحسينية في لبنان، ولا تكفي الاستفتاءات القديمة أيها الأعزاء الكرام, لأنّنا نشاهد آليات جديدة وكيفيات لم تكن موجودة سابقا تقتضي الاستفتاء والاستعلام من مراجعنا العظام رضوان الله عليهم أجمعين، وليكن ذلك تحت قبّة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بما يمثل من هيئة شرعية عليا للطائفة الشيعية في لبنان.
رابعاً: مضافا إلى وجوب رعاية الحكم الشرعي التكليفي، لا بد من الاهتمام بجانب آخر أيضاً، ففي كثير من الأحيان تكون الفتوى ـ الفقهية ـ هي الحلية والإباحة والرخصة والإجازة, ولكن من الناحية الأخلاقية "العقلائية" أو الاجتماعية "العقلائية" يتبدل الموقف، ويختلف الحكم ميدانيا فيكتنف الموضوع ـ بالعنوان الثانوي ـ بعض المحاذير التي تقتضي الترك لهذا الحلال والمباح في العنوان الأولي, مثلا: ذهاب الإنسان بملابس النوم إلى عمله ووظيفته فهو حلال شرعا لكنه معيب أخلاقيا عند العقلاء، ولأجل هذا الحكم الأخلاقي يحسن اجتنابه (مع كون الحكم الشرعي هو الحلية)، لذلك يجب على القيمين على الشعائر الحسينية والدينية بشكل عام أن يتنبّهوا إلى الضوابط الأخلاقية, والاجتماعية, والسلوكية, والنفسية، والتربوية... مضافاً إلى ضرورة الالتزام بالحكم الشرعي التكليفي والوضعي.
خامساً: نلاحظ في هذه الأيام أنّ هناك يداً آثمة تريد الوقيعة بالجسم الشيعي المتين والمبارك عبر بعض وسائل الإعلام الممولة من السفارات.. هدفها بث الشائعات وتضخيم الأمور؛ فيوم نسمع تأويل كلام سماحة الأمين العام حفظه الله, ويوم تفاجئنا بعض وسائل الإعلام وهي تنسب أكاذيب ملفقة عن بعض المشاهد المنسوبة لشباب حركة أمل الكرام وهم بريئون منها جملة وتفصيلا.. كذلك طالعتنا بعض وسائل الإعلام بخبر اجتماع أمهات الشهداء في النبطية في اليوم السابع اعتراضا وإدانة... وهو أمر عار عن الصحة، فلم يكن اجتماعهن إلا تلبية لدعوة الحسينية لمأدبة عن روح العباس رضوان الله عليه، فكم يجدر بوسائلنا الإعلامية أن تبين وتفنذ, وكذلك الشباب والفتيات أن يحذروا ويقاطعوا أية وسيلة إعلامية تبث مثل هذه الإشاعات المغرضة.
سادساً: إنّنا في مدينة صور نرى بأمّ العين كيف أنّ جمهوري حزب الله و حركة أمل يسيران في مسيراتهم العاشورائية جنبا إلى جنب ويدا بيد وخطوة بخطوة, ولم نشهد تهجما من أحد على الآخر، بل الأمر على العكس تماما, فدمعة الولاء والعزاء والعشق تجمعهما على الدوام, والكل سائرون في فلك الحسين وصاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه الشريف.. وأبناء مدينة صور يشعرون بالاعتزاز والفخر والوحدة والمحبة جراء ذلك، ويشمون عبق الولاية لأهل البيت عليهم السلام يفوح من هذين المجلسين المركزيين الكريمين، ووجود بعض الملاحظات التفصيلية الهامشية لا يلغى القداسة المشتركة التي تعم المجلسين وجمهورهما المباركين من أبناء حزب الله وحركة أمل، فيجب الحفاظ على هذا الجو الإيجابي المبارك مهما كان الثمن ومهما كانت التنازلات من كلا الطرفين.
سابعاً: نرى من الضروري إطلاق أمنية صادقة يتمناها كل مخلص ومحب، هي ضرورة إقامة مجلس مركزي موحد في المناسبات الكبرى، فمع احترامنا الكبير للمجالس الحزبية المنفردة والخاصة والتي تحاكي التنوع الفكري، والتنافس الإيجابي وهو سر التألق وبلوغ القمم، بل والتكامل الثقافي العام تحت قبة العقيدة الواحدة والوطنية والتعايش، إلا أنّ هناك مناسبات تقتضي من الأحزاب الكريمة أن تتوحد وتجتمع لتحييها معاً يداً بيد، هذه المناسبات التي من شأنها توحيد الأمة مثل: يوم الغدير و ولادة صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف و عاشوراء الحسين عليه السلام، وأعياد المقاومة وما شابه ذلك, فمع تفهمنا للتنوع والتغاير وأحقية كل حزب أن ينفرد في مختصاته التي تميّزه عن الآخرين, إلا أنّ مثل هذه المناسبات عامة وشاملة للجميع دون استثناء, هذه المناسبات بناؤها الوحدة وعامودها الوحدة وقوامها التوحيد ويجب أن نتوحد فيها وحولها وبها... ولا يعني ذلك إلغاء المجالس المركزية الخاصة أبدا فيما لو أقيم المجلس الموحد الأساس, كذلك الأمر بالنسبة لمسيرة عاشوراء فيا حبذا لو يكون هناك مسيرة واحد وتعبير واحد في هذه المناسبات الكبيرة، وهي أمنية جميع المؤمنين المخلصين المحبين لهذه الأحزاب الكريمة.
وأخيراً.. سيبقى الحسين خالداً بخلود الأيام والدهور وستبقى حرارة عشقه في قلوب محبيه لا تنطفئ أبدا.. سيبقى الحسين سفينة النجاة التي توحد أحباءه وأنصاره وشيعته ومواليه.. سيبقى الحسين عزّ الأمة وفخرها وباب الله الذي منه يؤتى.. اللهم عجل لوليك الفرج واجعلنا من أنصاره وأعوانه والسائرين على نهجه إنك خير مسؤول كريم..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
الثلاثاء في التاسع من محرم الحرام 1438 هجرية قمرية
على هاجرها آلاف التحية والسلام
جمعٌ من علماء الدين ـ صور⁠
عودة إلى القائمة