13 ربيع الأول 1441 هـ.ق. - الإثنين 11 تشرين الثاني 2019 م.

الرئيسية > دراسات > البحوث الإجتماعية والتربوية > فلسفة إطلاق الشعارات وأبعادها الثقافيّة والتطبيقيّة


فلسفة إطلاق الشعارات
وأبعادها الثقافيّة والتطبيقيّة

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين

تعالج هذه الدراسة المختصرة آلية إطلاق الشعارات الثقافيّة والاجتماعيّة والدينيّة, وذلك من زاوية تأثير الشعار على الحراك الثقافي والاجتماعي للأمّة, فالشعار يمثّل حلقة تفاعليّة في عقلانيّة الأمة والمجتمع والفرد, لذلك كان لطرح أيّ شعار داخل المنظومة الثقافيّة للأمّة حساسيّة كبيرة, تفرض على ـ من يريد إطلاق هذا الشعار ـ أن يتريّث كثيراً ويدرس المسألة من جميع الجوانب, ويعرف أبعاد ما يطلقه ويرفعه بوصفه شعاراً من جميع أبعاده الثقافية والدينية والسلوكية والنظرية والعملية. هذا وقد قامت الهيئة العلمية في موقع رحاب الوحي بإعداد دراسة مختصرة حول هذا الموضوع كجواب على إحدى الأسئلة التي وردت الموقع ضمن قسم "مسألة وجواب", ونظراً لأهميّة البحث قمنا بإعادة نشر الإجابة في قسم "الدراسات" تعميماً للفائدة وتسهيلاً على القارئ الكريم.

السؤال الوارد في قسم "مسألة وجواب" هو التالي:

بسمه تعالى
أرجو أن يوفقكم الله لكل خير, وأن يؤيدكم لنشر معالم الدين والولاية
ما مدى صحّة الشعار "كل يوم عاشوراء كل أرض كربلاء" وهل ترون مشكلة في مثل هذه الشعارات مع العلم أن الإمام الحسن عليه السلام يقول: لا يوم كيومك يا أبا عبدالله.
وشكرا

 

والجواب:

لا يخفى أنّ إطلاق أيّ شعار يحتاج إلى دقّة فائقة جدّاً، وما لم يكن الإنسان ولياً أو متّصلاً بالولي الكامل بحيث يراعي جميع المراتب الأنفسيّة وما يؤثّر عليها ويدخل في قوامها، فلن يتمكّن من طرح شعار خالد بخلود الدهور والأيام، ففرق كبير بين أن نلقي كلمة أو نحاضر محاضرة أو نخطب خطبة أو نكتب بحثاً أو نؤلّف قصيدة ونلقيها على مسامع الآخرين، وبين أن نطلق شعاراً يدخل في أدبيّات الأمّة وثقافة المجتمع ويصبح جزءاً من عقلانيّة الأمّة، حاضراً في لغتهم ومواقفهم وخلفيّتهم الذهنيّة، يستندون إليه ويتكّئون عليه في يوميّاتهم ويلجؤون إليه حين منعطفاتهم الكبيرة، فالشعار - أيّ شعار كان - يسرّع الحركة الثقافيّة للأمّة ويدخل في نمطيّة تفكيرها، ويسوقها إمّا نحو الفضيلة والتوحيد والأخلاق والعدالة والطهارة والنزاهة والعقلانيّة، وإمّا يهبط بها إلى حضيض الرذيلة والماديّة والشرك والنفعيّة والظلم والجهل واللاأخلاقيّة. فالشعارات التي أطلقها ويطلقها الزعماء والقادة والحكام أو السياسيون تؤدّي غالباً إلى تغيير جذري - سريع أو طويل الأمد - داخل جسم الأمّة، وقد ينشأ منها انقسامات ميدانيّة حادّة ربّما وصلت في بعض الأحيان إلى مستوى المجابهة والمواجهة والاقتتال، ليتحوّل الشعار إلى مادة مؤجّجة تشحن الأحزاب وتثير سحب القوميات والقبائل والأفراد، وتحرّض الناس على بعضهم، فتصبح كـ "قميص عثمان" مادّة للتجييش والتحريض، والعكس بالعكس حينما تكون الشعارات توحيديّة إنسانيّة عقلانيّة منطقيّة أخلاقيّة نزيهة، من شأنها أن تقوّي حالة العقلانية والمنطقيّة لدى المجتمع والأفراد، وعلى ذلك قِسْ!لذلك نلاحظ أنّ بعض الخلفاء قد أولى اهتماماً كبيراً لذلك، فعمد إلى إحداث بعض الشعارات - سواء ما أدخل في أذان المسلمين أو ما حذف منه - فبدلاً من أن تكون الصلاة هي خير العمل، أصبح الجهاد خير العمل!!

وأصبح ذلك الشعار هو الغطاء الثقافي والاستراتيجي للفتوحات الإسلاميّة التي اتّخذت من الجهاد مبدأً للتقرّب إلى الله، فأصبح الجهاد الأصغر هو الوسيلة الأقرب إلى الوصول إلى الله عزّ وجل!
حتّى تفوّقت مفردة الجهاد الأصغر على الجهاد الأكبر، وأصبح الأصغر أهمّ من الأكبر!!
فحذفُ وصف (خير العمل) من الأذان لم يقتصر على بعده العبادي والطقوسيّ فحسب، بل توسّع ليشمل حركة ثقافيّة اجتماعيّة للأمّة طالت أمواجها عقوداً وحقبات، ولعلّ بعض آثارها لا زالت قائمة حتّى يومنا هذا.

أمّا بالنسبة لسؤالكم الهام، فيجدر بالذكر أنّ مضمون العبارة الشريفة "لا يوم كيومك يا أبا عبد الله" إنّما أُثرتْ عن إمامنا السجاد سلام الله عليه فقد ورد في كتاب "ناسخ التواريخ 73:4، بحار الأنوار274:22" أنّه حينما وقع بصر الإمام السجاد عليه السلام على ولد العباس بكى، وذكر يوم أُحُد يوم قتل حمزة، وذكر معركة مؤتة يوم قتل جعفر بن أبى طالب ثم قال: «لا يوم كيوم الحسين، إذ لفّ إليه ثلاثون ألف رجل يزعمون أنّهم من هذه الأمّة كلّ يتقرب إلى الله - عزّ وجلّ - بدمه وهو بالله يذكّرهم فلا يتّعظون حتى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً…».كذلك يجدر بالذكر أنّ سماحة آية الله روح الله الخميني ( قدس سرّه) قد نسب العبارة الأخرى: "كلّ يوم عاشوراء وكلّ أرض كربلاء" إلى الإمام الصادق عليه السلام حيث ورد في كتاب (نهضة عاشوراء) الترجمة العربيّة, صفحة 10:[إنّ هذه القضيّة هي منهج حيّ لكلّ زمان ومكان، فـ (كلّ يوم عاشوراء وكلّ أرض كربلاء) جزء من حديث وارد عن الإمام الصادق عليه السلام سادس أئمّة الشيعة في العالم. منهج يعني أنّ علينا أن نستمر في الثورة والقيام والنهوض امتداداً لتلك النهضة في كل مكان وفي كل يوم وطبقا لهذا المنهج فالإمام الحسين ثار بعدد قليل وضحى في سبيل الإسلام بكلّ شيء واقفاً بوجه إمبراطوريّة كبرى ليقول: لا].

نعم قد بحثنا ـ بحدود طاقتنا المتواضعة في كتب الحديث والتاريخ والسيَر، فلم نجد نصّ هذه العبارة في شيء من الروايات الواردة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام، و قد يكون هناك ما يشير أو يدلّ على هذا المضمون لكنّنا لم نعثر عليه، ولذا سنتركه للمحقّقين. ولكن، حتّى وإن ورد مضمون - أو نصّ - هذه العبارة في شيء من الروايات، فهل يصحّ أن نحوّلها إلى شعار؟! وهل مضمونها من المضامين التي ترقى إلى أن تصبح شعاراً خالداً للمسلمين، أو على الأقل شعاراً آنيّاً ومرحلياً للمسلمين؟أوهل يجوز لنا أن نحوّل أيّ آية أو رواية - على فرض وجودها - إلى شعار عام للأمّة؟!
مثلاً: تصورواً أن نقوم في زماننا المعاصر بطباعة ملايين من البوسترات التي تحمل عبارة: {وإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها}, ونلصقها على الحدود الجنوبيّة في لبنان!! و نوزّعها على طلاب المدارس، ونلصقها على المعدّات العسكريّة للجيش، ونطبعها على العلم الوطني، ونحوّلها إلى شعار يؤثّر على المرتكزات الوطنيّة للأمّة في صراعها مع العدوّ، ثمّ نجعلها عنواناً لكتاب التربية الوطنيّة...
هل يكون هذا العمل صحيحاً؟! هل ينسجم ذلك مع الخطّ الدّفاعي المقاوم والممانع؟
بالطبع لا.. وحتّى لو كانت العبارة آية قرآنيّة، فهي تبقى آية كريمة، وليست شعاراً..
وثمّة فرق كبير بين الآية والشعار، تماماً كالفرق بين سائر الأيام المباركة في الأشهر القمريّة وبين الأعياد التي يعيّنها الله تعالى عيداً للأمّة. وكما لا يجوز لنا أن نخترع أعياداً جديدة في الأمّة، ولا يحقّ لنا أن نحوّل أيّ يوم إلى عيد وطنيّ جماهيريّ عام - حتّى وإن كان مباركاً في الشرع - كذلك لا يجوز لنا أن نطلق أيّة آية أو أيّ حديث و رواية شعاراً من شأنه أن يطغى على أدبيّات وثقافة المجتمع وسلوكه.

بناء على ذلك، كان من حقّ عقلاء الأمّة والعلماء أن يتريّثوا كثيراً قبل إطلاق أيّ شعار من الشعارات، ومن حقّهم أن يعرضوا أيّ شعار حادث طارئ على القواعد العقليّة والعقلائيّة والقرآن والسنّة والثوابت التي لا تتحمّل الاختزال أو التهميش، ليروا إنْ كان معنى هذا الشعار المطروح يصلح لأن يكون شعاراً للأمّة أم لا، ثمّ إن جاز له أن يكون شعاراً فما هي رتبته، وما هي مكانته؟ وهل هناك شعارات أخرى حاكمة عليه؟ وما هي مدّته وأمده، فهل هو شعار خالد يحمل صفة الأبديّة كالشعارات التوحيديّة والفطريّة من قبيل (حسن العدل وقبح الظلم)، أم أنّه آنيّ مرحلي يفقد شعاريّته بعد مدّة معيّنة، لترفع الأمّة بعده شعاراً آخر يقابله... وهكذا.

على ضوء ذلك سندرس القيمة الموضوعيّة للمضمون القائل: (كلّ يوم عاشوراء وكلّ أرض كربلاء) فنقول:
إنّ لكلّ عمل يصدر من المعصوم عليه السلام حقيقة تتجلّى وتنعكس على عالم الإمكان برمّته، لأنّ الإمام سلام الله عليه هو إمام ملكوت عالم الإمكان، وقد بلغ رتبة الفناء في ذات الحقّ تعالى، فجميع أعماله متنزّلة من مقام الذات الإلهيّة المباركة الداخلة في علّة العلل لعالم الإمكان، فلأفعال المعصوم آثار على الزمان والمكان والنفوس والأفلاك وجميع الأشياء وكلّ الكائنات دون استثناء، فمقتضى سعته الوجوديّة أنْ يتشكّل عالم الإمكان طبقاً لشاكلته هو دون العكس، فالمعصوم هو المؤثّر على ما يحيط به دون العكس، ولو لوحظ أنّ المعصوم ينفعل أو يتأثر ببعض المراتب الماديّة بالمحيط من حوله، فهذا لا يتنافى مع كونه سلام الله عليه هو المؤثّر والممدّ والمفيض - لا على نحو الاستقلال - على جميع المراتب العليا، فكما أنّ الحقّ - عزّ وجل - داخل بالأشياء لا بالممازجة - بالأصالة والاستقلال - فإنّ الإمام المعصوم ومثله الوليّ الإلهيّ الذي بلغ مرحلة الفناء في الذات الإلهيّة داخلٌ في الأشياء أيضاً ولكن بالعرض وبالتّبع، لا بالاستقلال وفي حدود سعته الوجوديّة المباركة. فالولاية تتجلّى في كلّ شيء، والقرآن الكريم ينبّه إلى هذه الحقيقة بشكل جليّ حيث يقول: {وكُلَّ شَيءٍ أَحْصَيْناهُ في‏ إِمامٍ مُبين‏.}

ذلك كانت حقيقة عاشوراء وحقيقة كربلاء وآثارهما متجلّية في جميع الأيام والبقاع، لكونهما منتسبتين إلى الإمام المعصوم، صاحب الولاية الكاملة والتامّة والكبرى التشريعيّة والتكوينيّة، فموقف سيّد الشهداء سلام الله عليه ونورانيّته - التي تعادل عبادة الثقلين - يتجلّيان في جميع ذرّات عالم الإمكان، وعلى هذا الأساس حينما يطيع الإنسان ربّه فسوف تكون أعماله وطاعاته حسينيّة حسنيّة علويّة محمّديّة إلهيّة، وحينما يعصي الإنسان الله - عزّ وجلّ - سوف تكون أعماله وأيّامه وأفعاله يزيديّة جهنّميّة ظالمانيّة.فالروايات تؤكد على أنّ من أطاع الله فهو معنا أهل البيت، ومن اتقى الله فهو معنا، ومن تورّع عن محارم الله فهو مع أهل البيت عليهم السلام كذلك نلاحظ أنّ بعض الروايات تصرّح بأنّ من فعل كذا وكذا فإنّ له أجر شهداء بدر، أو من زار السيد عبد العظيم الحسني في الرّي كان كمن زار الحسين عليه السلام في كربلاء، إلى غير ذلك من الروايات التي تلحق تجلّيات الولاية بأصلها وحقيقتها ومصدرها، وعلى هذا الأساس سيكون لأفعال الوليّ الإلهي آثار تتجدّد في كلّ يوم وفي كلّ مكان، فجميع بقاء الأرض تأثّرت بأرض كربلاء وبكت وحنّت وعزّت وسجدت وشكت ولعنت الظالمين وسبّحت الله تعالى: {وإِنْ مِنْ شَيءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبيحَهُم‏}. فالطاعة والعبادة والسجود والخشية غير مختصّة بالإنسان والجنّ والملائكة بل عامة لكلّ شيء، لذلك يقول الله عزّ وجل: {فَقالَ لَها وللأرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعين‏}، لذلك كانت الرؤية التوحيديّة من شأنها أن تجعل من كلّ شيء حقّاً صادراً من الله عزّ وجل، فتصدق كلمة السيدة زينب سلام الله عليها: (ما رأيت إلا جميلا!)، وعلى هذا الأساس كان والدها أمير المؤمنين عليه السلام يقول: «ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيت الله قبله ومعه وبعده».

حينما ينظر الإنسان إلى العمق التوحيديّ لأيّ عمل يصدر من الأولياء والأئمّة عليهم السلام يرى تجلّي الله الأعظم في هذا الفعل، وسوف يكون الحقّ تعالى هو المرئي في هذه الحقيقة، فتصبح ضربة عليّ عليه السلام تعادل عبادة الثقلين، ويصبح صلح الإمام الحسن عليه السلام عند الله تعالى، وعند أهل التوحيد مساوياً لكربلاء وقداستها، لأنّ كلا الفعلين صادر عن الإمام المعصوم عليه السلام وتصبح تقية الإمام زين العابدين عليه السلام كربلاء الثانية، لأنّها تحاكي التجلّي الأتمّ للذات المقدّسة للحقّ - عزّ وجل - بل إنّ كلّ فعل يصدر عن الإمام المعصوم عليه السلام هو فعل الله دون تجوّز أو تنزّل، وما دام فعل الولي الإلهي هو فعل الله تعالى - حسب رتبته وحسب سعته الوجوديّة - فإنّ فعله سيحمل خصائص الأفعال الإلهيّة بشكل مباشر، ليصبح أبديّاً باقياً ببقاء الله، متجدّداً كلّ يوم، ومنعكساً على جميع المراتب والعوالم، ومؤثّراً على المكان والزمان بشكل دائم، ومجلّياً لحقيقة قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * ويَبْقى‏ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ والإكْرامِ} وكذلك قوله تعالى: {ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باق‏}، فالأفعال الإلهيّة والمنتسبة إلى ذاته عزّ وجلّ حيّة لا تموت. فهي داخلة في جميع ذرات الوجود، ومتجليّة في جميع مراتب عالم الإمكان زماناً ومكاناً وأفراداً وأحوالاً، لأنّه مصداق لقوله تعالى: {هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ والْباطِنُ وهُوَ بِكُلِّ شيء عَليم‏}.

وعلى هذا الأساس فإنّ حقيقة الإمام الحسين عليه السلام وولايته وتجليه الأكمل شاملان لكلّ عمل، ولكلّ يوم ولكلّ مكان في عالم الإمكان فيما لو كان هذا العمل متّصلاً بالولاية وصادراً من حاقّ التجلّي الأتمّ للتوحيد الذاتي للحقّ تعالى، فكلّ عمل يصدق عليه أنّه: {وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى} فهو فعل الإمام الحسين عليه السلام ومظهر وتجلٍّ لحقيقة الولاية، وسوف يكون هذا الفعل فعلاً إلهيّاً محمّدياً علويّاً حسنيّاً حسينيّاً حقيقة دون تجوّز، وعليه فالرؤية التوحيديّة للأعمال، والأماكن والأزمان من المنظار التوحيدي تجعل منها حقيقة واحدة، وتجعلها مصداقاً لقولهم عليهم السلام: «أوّلنا محمّد وأوسطنا محمّد وآخرنا محمّد»، ومن الطبيعي حينئذ أن تكون حقيقة الإمام الحسين عليه السلام تتجلّى في كلّ يوم وفي كلّ مكان، وصحّ لنا - من هذه الجهة - أن نقول: (كلّ يوم عاشوراء وكلّ أرض كربلاء) بشرط أن نفهمها بهذا المعنى ونفسّرها على هذا الأساس التوحيدي.
هذا لو نظرنا إلى حقيقة كربلاء وعاشوراء من المنظار التوحيدي الكامل المنسجم مع مقام عالم الفناء في الذات الإلهيّة.

وأمّا لو نظرنا إلى كربلاء بمنظار عالم التكليف والكثرة وعالم البقاء، فسوف يختلف الأمر كثيراً وسوف تصبح كربلاء واحدة الدهر وفريدته، فلا يقاس عليها شيء حينئذ، بداهة أنّ الخصائص التي خصّها الله بها في عالم الكثرة لا توجد في غيرها أبداً، وبناء على هذه النظرة الثانية فلا يحقّ لنا أن نقول: (كلّ يوم عاشوراء وكلّ أرض كربلاء)!
فمن الخطأ الفادح حينئذ أن نفسّر هذه العبارة على أساس التفسير السطحي الخاطئ القائل: إنّ أي زعيم نهضويّ ثائر هو كالحسين عليه السلام وإنّ أي أنصار ومقاتلين هم كأنصار وشهداء سيّد الشهداء عليه السلام.. إنّ هذا التفسير سخيف جداً وخاطئ ولا دليل عليه لا عقلاً ولا نقلاً ولا وجداناً!!
فمن أين لنا أن نعثر على مقاتل أو قائد عسكري يشبه العباس أو يتشبّه بعليّ الأكبر سلام الله عليهما؟!
إنّ قيمة العباس لا يحدّدها قتله للمئات أو الآلاف الذين قتلهم وأجهز عليهم بسيفه البتار المبارك، بل قيمته رضوان الله عليه في ولايته ورتبته التوحيديّة التي جعلته يشعر من أعماق وجوده بأنّه صفر أمام أخيه الحسين عليه السلام.
إنّ عظمة العباس الخالدة - أرواحنا فداه، مضافاً إلى فروسيّته وبسالته التي حيّرت الملائكة وأبكت حور العين شوقاً إليه - هي في ورده الخاص الذي لم يفارقه رضوان الله عليه طرفة عين أبداً ألا وهو: (يا نفس من بعد الحسين هوني!!).
ففي الوقت الذي كان قادة الجيوش يتبخترون ويتماهون بفروسيّتهم أمام عسكرهم، كان أبو الفضل العباس - مع ما كان عليه من البطولة والفروسيّة والبهاء والكبرياء والقوّة والعظمة والهيبة ورباطة الجأش والشموخ والعلو والرفعة - كان يشعر بهوان ذاته ونفسه أمام الحسين سلام الله عليهما.
فمع جميع ما كانت عليه نفس أبي الفضل الموحّدة، التي عكست تجلّيات الله بشكل مدهش، وجمعت بين الكمال والجمال والجلال، إلا أنّ أبا الفضل لم يكن يراها شيئاً أمام الحسين!!
لماذا؟ لأنّ عين أبي الفضل التوحيديّة لم تكن تقصر النظر على جسد الحسين المادّي الذي يشترك فيه مع سائر البشر، ولم يكن ليتعامل مع أخيه الحسين بالحسّ العائلي والقبلي والعشائري والرحمي والانتمائي والحزبي فحسب، بل كان ينظر إلى الحسين بعينٍ نورانيّة عالية وعميقة جداً، كان يرى في سيّد الشهداء حقيقة التجلّي الإلهي الأتمّ والأكمل والأعلى، و كان يرى في الحسين حقيقة واقعيةً تجسّد قوله تعالى: {وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى}، وكان يرى في سيّد الشهداء التجلي الأتم لقوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى إنْ هو إلا وحي يوحي}.
هذه هي عظمة أبي الفضل، ومثله عليّ الأكبر - أرواحنا وأرواح العالمين فداهما - وعلى ذلك فقس في شهداء كربلاء رضوان الله عليهم أجمعين.

وعليه فلا يقاس على كربلاء شيء من التجليات، لأنّه حينما ننظر إلى كربلاء بعين عالم الكثرة وعالم البقاء - لا من زاوية الفناء في الذات الإلهية التي سبقت - فسوف تتميّز التجلّيات عن بعضها البعض، وسوف يثبت التفاضل بين الظهورات الإلهيّة، وسوف تختلف وتتفاضل الرسل والأنبياء والأولياء: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْض‏}.
فالنظرة "البقائيّة" التي تلحظ الفروقات في عالم الكثرة تختلف كثيراً عن الرؤية التوحيديّة التي ترى الأمور من منظار الفناء في الذات تعالى، لذلك فإنّ عالم البقاء هو عالم التفاضل والكثرة والتغاير والتقدّم والتأخر والتفاوت في الحجيّة، وبناء على ذلك فلا يمكن لنا أنْ نعمّم قواعد عالم الفناء على عالم البقاء، والمشكلة هي أنّ هذا الشعار (كلّ يوم عاشوراء وكلّ أرض كربلاء) إنّما يفسّر من جمهور الأمّة على أساس التفسير الثاني، فأصبح مادة للمقايسة الخاطئة والقياس الباطل. فثورة الإمام الحسين عليه السلام قد حملت في عالم الإثبات معاني خاصّة بها لا نجدها في أيّ تجلّ آخر لأيّ إمام آخر في عالم الكثرة ومقام الإثبات، فهذه الحقيقة التوحيديّة الشامخة تجلّت في سيد الشهداء بشكلّ خاص، ولم تظهر ولم تتجلّ في غيره.

فالنظرة السابقة التي طرحناها إنّما هي النظرة التوحيديّة البالغة حدّ الفناء بالله تعالى، التي كان يعبّر عنها أمير المؤمنين عليه السلام بمقام: «ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله ومعه وبعده».
ولكنّ الناس ـ والمجتمع والتفسير التاريخي ـ في عالم الكثرة لا يشعرون بهذه الحقيقة، ولا يفسّرون هذه الحقيقة على أساس مشاهدة الذات الإلهيّة الشامخة في أيّ تجلٍّ. فهم لا يفهمون أنّ حقيقة الإمام الحسن هي عين حقيقة الإمام الحسين عليهما السلام لذلك مهما قلنا لهم: إنّ حقيقة كربلاء هي عين حقيقة صلح الإمام الحسين، فلن يفهموا ذلك، ولن يشعروا بذلك.
لذلك كان علينا أن ندقّق كثيراً قبل أن نطرح شعارات تمسّ هذه الحقيقة، و مع عدم إدراك العوام للحقيقة التوحيديّة المنسجمة مع عالم الفناء الذاتي للحقّ تعالى، سيصبح الشعار خالياً من معناه الحقيقي، بل قد يحمل معنى آخر حينئذ!! معنى يقابل المعنى المقصود، ويغاير الحقيقة المطلوبة، وسيصبح هذا الشعار ذا معنى خاطئ!! سيشبه شطحات الصوفيّة وإفشاء الأسرار في عالم السير والسلوك؛ فحينما نقول: كلّ يوم عاشوراء وكلّ أرض كربلاء، فإنّ ما يفهمه العوام من ذلك هو أنّ أيّ معركة نخوضها ضد الباطل سوف تكون آثارها السلوكيّة وحقانيّتها ودوافعها تماماً كوقعة كربلاء!! وسيكون الشهداء فيها كشهداء كربلاء، وسيكون القائد فيها كقائد كربلاء!! وهو ما نسمعه كثيراً ممّن لا يميّزون بين الإمام وغيره، وعلى ذلك فقس في جميع الأبعاد المترتبة عليها.والحال إنّ الأمر مختلف جداً، فكربلاء تتمتّع بمزايا – سواء في عالم الإثبات أم في عالم البقاء - لا توجد في أيّ تجلّ آخر. فالذي قاد كربلاء هو إمام معصوم عليه السلام وهو يعني أنّ رأس الهرم في هذه الثورة هو إمام معصوم قد تولّى إدارة جميع أبعاد هذه الوقعة المباركة بشكل عجيب ودقيق جداً، وهو ممّا لا نجده في أيّ معركة أخرى لم يقم بإدارتها المعصوم عليه السلام كذلك الأمر بالنسبة للأنصار والجنود والشهداء والنساء والأطفال، لذلك قال سيّد الشهداء عليه السلام: «أَمَّا بَعْدُ، فَإنِّي لا أَعْلَمُ أَصْحَاباً أَوفَى ولا خَيْراً مِنْ أَصْحَابِي، ولا أَهْلَ بَيْتٍ أَبَرَّ ولا أَوْصَلَ مِنْ أَهْلِ‏ بَيْتِي, فَجَزَاكُمُ اللهُ عَنِّي خَيْرَ الْجَزَاءِ»، لذلك فما لم تكن النظرة التوحيدية بالغة حدّ الذات الإلهيّة فسوف تكون هذه الوقعة الإلهيّة لا مثيل لها من جميع الجهات، نعم بالنسبة للعارف الواصل الذي يرى الله من أيّة نافذة ويرى التجلي الأتم من أيّ معلول وأيّة ذرّة في عالم الإمكان، فذاك يجوز له أن يقول: (كلّ يوم عاشوراء وكلّ أرض كربلاء) بل في الحقيقة إنّ أيّ يوم ـ بلحاظ إنتسابه إلى الذات الإلهيّة ـ يصدق عليه أقدس أنواع التجليّ الذاتي والذي يحمل لكلّ كمال بما فيها تجليات كربلاء المباركة.

لكن لا يعني ذلك أن نحوّل هذه العبارة إلى شعار للأمّة والمجتمع، فليس من شأن هذه الجملة وهذه العبارة أن تكون شعاراً للأمة أبداً، بل اللازم أن نقول: (لا يوم كيومك يا أبا عبد الله)، واللازم أن نقول: «لا أَعْلَمُ أَصْحَاباً أَوفَى ولا خَيْراً مِنْ أَصْحَابِي، ولا أَهْلَ بَيْتٍ أَبَرَّ ولا أَوْصَلَ مِنْ أَهْلِ‏ بَيْتِي» واللازم أن نقول: «نحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد».
لذلك نلاحظ أنّ لكربلاء وسيّد الشهداء عليه السلام خصائص تشريعيّة لم نجدها في أيّ تشريع آخر في الإسلام، فمن ذلك زيارة الأربعين وإقامة الأربعين لسيّد الشهداء، وهو من مختصات سيد الشهداء - أرواحنا فداه - دون الأئمّة المعصومين عليهم السلام. فلم نسمع أنّ لرسول الله صلّى الله عليه وآله أربعيناً، ولا لأمير المؤمنين ولا للسيدة الزهراء عليهما السلام ولم يرد استحباب إقامة الأربعين لأيّ من الأئمّة عليهم السلام مع استحباب الزيارة والعزاء دون أن يحملا عنوان الأربعين!

أنّ الأربعين سنّة منحصرة بالإمام الحسين عليه السلام وعلى ذلك قس في الكثير من السنن والمستحبات المختصّة بالإمام الحسين عليه السلام ولا يصح أن ننسب ذلك إلى غيره، بل هي من مختصات الإمام الحسين عليه السلام من هذه الجهة، لأنها ستخضع لقاعدة (مراتبكم التي رتبكم الله فيها فيها) أي في عالم الظهور وعالم البقاء وعالم التجلي والكثرة.
ومن ذلك لقب: "سيد الشهداء" فلا يمكن أن ننسبه إلى شخص آخر غير سيد الشهداء عليه السلام.

عليه فحيث أنّ المتبادر من عبارة: (كلّ يوم عاشوراء وكلّ أرض كربلاء) هو المعنى السلبي الذي يقيس غير المعصوم على المعصوم، والذي يوحي بأنّ أي بطل أو أي قائد ثائر هو كالإمام الحسين عليه السلام, فلا بدّ من توضيح هذه العبارة بشكل صحيح كي لا تحمل على معنى خاطئ, هذا وقد يفهم البعض من هذه العبارة أنّ معركة الحقّ والباطل وصراع العدل والظلم قائم مستمر طوال التاريخ, فكلّ يوم هو مصداق لوقعة كربلاء وعاشوراء حيث كانت صراعاً بين الحقّ والباطل, وهذا الصراع مستمر إلى يومنا, ويتجسّد في كلّ موقف ويتجلّى في كلّ منعطف وكلّ صراع... ولا يخفى أنّ هذا التفسير صحيح بشرط أن لا يبلغ مرحلة القياس والتشبيه بين الإمام الحسين عليه السلام وغيره, لأنّ رتبة الحقّ التي يمثّلها الإمام الحسين عليه السلام هي أعلى من أيّ حقانيّة تتصوّر في عالم الإمكان ممّا يجسدّه غير المعصوم, نعم قد يوجد في كلّ عصر ألفُ يزيد وألفُ طاغية, ولكن ليس في التاريخ إلا حسين واحد, ورتبة حقانيّة سيّد الشهداء لا يقاس بها أحد إلا نفس الإمام المعصوم عليه السلام, من هنا نلاحظ أنّ مثل هذه العبائر تحتاج دائماً إلى توضيح وشرح وبيان كي يتّضح منها المفهوم الصحيح ويتميّز عن البعد الخاطئ الذي يترائى منها.

و مع كامل الأسف، نجد في أيامنا هذه أنّ بعض من يرتقي المنبر يصف أحد الشهداء بـ سيّد الشهداء!!
أو يقول: إنّ شهداءنا الذين استشهدوا في هذه الحرب أفضل من شهداء الإمام الحسين سلام الله عليه أو مثلهم! أو يقال: إنّ العالم الفلانيّ هو حسين الزمان! أو عليّ هذا الزمان!! أو يدّعي أنّ رتبة الفقيه أو المرجع الفلاني هي عين رتبة رسول الله أو الثقلين! أو يدعي أنّه برجوعه إلى الفقيه الفلاني يمكنه أن يستغني عن القرآن والمعصومين الأربعة عشر! أو يطلق شعاراً واسعاً كبيراً لا يعرف أبعاده الخطيرة قائلا: الولي الفلاني هو عين القرآن والسنّة في عالم البقاء والتكليف! أو لا يجب عرض كلام الولي الفلاني على القرآن والسنّة حتى وإن شككت بمؤدّى كلامه واعتقدت بعدم انطباق كلامه مع حالتي الخاصة, أو كالذي يتعامل مع الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر على أنّهم مشكّكين!!! فيسدّ على نفسه باب التذكّر والهداية!! فينعت أهل الصلاح والتواصي بالحقّ بالمشكّكين, ويرفع في وجه إخوته شعار وضع الأصابع في الآذان وشعار استغشاء الثياب وشعار عدم الفهم وشعار عدم الاستماع, تحت ستار أنّه يتعامل مع المشكّكين... فيرفع شعاراً خطيراً يؤدّي إلى حبسه الأبدي في بوتقة ذاته وأنانيّته ونمطيّته.. غير ملتفت إلى أنّ أنبياء الله والأئمّة والأولياء إنّما كانوا يشكّكون بالباطل بشكل دائم, وكانوا يقارعون الجهل ويهزّون أركان التحجّر ويقذفون بالحقّ على الباطل بشكل دائم, وعلى البشريّة أن تصغى إليهم وتفتح قلوبها لكلام الحقّ الذي يجريه الله على ألسنتهم الطاهرة البريئة من المطامع الدنيويّة.. ولا يحقّ لنا أن نرفع في وجه الآمرين بالمعروف والداعين للحق شعارات زائفة من شأنها أن تخرج الأمّة عن الاتزان والوسطيّة التي شرف الله بها أمّة نبيّه محمّد صلى الله عليه وآله والتي فرضتها علينا الشريعة الغراء، سائلين الله سبحانه أن يلحقنا بمحمّد وأهل بيته عليهم السلام في كلّ شيء، فنحيا حياتهم ونموت مماتهم، ونرفع شعاراتهم، ولا نسبقهم في شيء، بل نتّبعهم في كلّ شيء بحقّ محمّد وآل محمد.

عودة إلى القائمة