13 ربيع الأول 1441 هـ.ق. - الإثنين 11 تشرين الثاني 2019 م.

الرئيسية > الحج والعمرة > أسرار الحجّ ببيان آية الحق والعرفان جواد الملكي التبريزي رضوان الله عليه


أسرار الحجّ
ببيان آية الحقّ والعرفان
الحاج الميرزا جواد الملكي التبريزي رضوان الله عليه

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين
واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

يذكر آية الحقّ والعرفان الميرزا جواد الملكي التبريزي في كتاب المراقبات, ضمن مراقبات شهر ذي القعدة الحرام, توصيات نورانيّة وكلمات عرشيّة يبيّن فيها فضيلة الكعبة الشريفة, ثمّ يقوم بعد ذلك بكشف النقاب عن جانب من أسرار الحجّ ومعانيه الباطنيّة التي لا يدركها إلا أهل الباطن والشهود والعرفان, فيبيّن أنّ تشريع نسك الحجّ إنّما هو تعبير عن عمق محبّة الله لعباده, وعنايته بالمؤمنين ودعوتهم إلى جواره ودياره الباقية, بل إنّ علّة خلق بني آدم أن يتشرّفوا بمعرفة الله ولقائه سبحانه وتعالى, ثم يعرّج على بعض أسرار مناسك الحجّ, مؤكّداً على ضرورة أن يشعر الحاجّ بمعاني ما يقوم به بشكل وجداني وشهودي وحضوري حيّ, وأنّه لا بدّ من الإخلاص الحقيقي لله تعالى وجميع الدواعي الأخرى, وأنّ العبادة الحقيقيّة هي التي تكون بداعي الحبّ والعشق والشوق لله تعالى, ثم يعرّج على ضرورة المبادرة إلى التوبة والاستغفار ليكون السفر إلى الحجّ سفر مودّع ومنيب وعائد ومهاجر إلى الله, ثمّ ينبّه على ضرورة أن لا يتزوّد الحاجّ في هذا السفر العظيم بما يلهيه ويترفه ويخرجه عن حالة التوجه إلى لقاء الله, وهنا يؤكّد على ضرورة الاهتمام برفيق الدرب, وكذلك الالتزام بكلام المرشد الخبير الذي يقوم بتعليم الإنسان وتربيته, وأن يعلم أنّ الأهم من كلّ ذلك تولّي الإمام المعصوم سلام الله عليه فهو أمير الحجاج وإمام الحجّ بجميع أبعاده, وأخيراً يختم ببيان المعاني الباطنيّة لجميع أفعال الحجّ ومناسكه. مبيّناً ذلك بأسلوب جذاب مختصر, وقلم متقن وعميق ودقيق, يجمع بين النورانيّة والعمق والسهولة والوضوح, ويجدر بمن أراد أن يحجّ أن يقرأ هذه الجزوة بقلب عاشق ينبض بمحبّة الله وشوق لقائه, وروح منفتحة على المعاني الباطنيّة, ليفهم ما فيها من إشارات طاهرة شامخة, ودقائق نورانيّة كريمة, سائلين الله تعالى أن يوفّقنا للأخذ والتعلّم والنهل من بركات أنفاس الأولياء الطاهرة رضوان الله عليهم أجمعين إنّه خير مسؤول كريم.

علّة خلق بني آدم دعوة الخلق إلى لقاء الله تعالى

يقول آية الحقّ والعرفان آية الله جواد الملكي التبريزي رضوان الله عليه في كتاب المراقبات:[ومن عظائم تلك النعم جعل الكعبة بيتاً لنفسه, وإذنه للناس أن يقصدوا زيارته, قبوله منهم ذلك لزيادته في الأجر والقبول والرضا, ولعمري إنّ هذا غاية اللطف والرفق والكرم, فإنّ البصير إذا تأمّل في معاني نسك الحجّ, يهتدي بذلك إلى عظيم لطفه تعالى, بل ومحبّته إلى عناية المؤمنين, وغاية عنايته في جذبهم إلى بابه, ودعوتهم, إلى قربه وجواره, وعرف قدر نعمة وجود هذا النبيّ الكريم الذي هدانا به إلى هذه العوالم العزيزة, وعرّفنا أسرار هذه المقامات الشريفة الكريمة, وأحيا هذه القلوب الميّتة بروح الإيمان, وهدى عماها بنور الإيقان.

بعض أسرار نسك الحجّ حسبما وردنا من روايات آل محمّد صلوات الله عليهم أجمعين

وإجمال هذا التفصيل أنّه سبحانه وتعالى خلق بني آدم من التراب, ودعاهم إلى لقائه وجواره, وقربه وجواره إنّما هو أعلى علّيّين, ومقام الروحانيّين, ومن أجل أنّه لا يصل إلى هذه العوالم العالية في أوائل أمره من جهة توغّله في ظلمات عوالم الطبيعة وإسارته في مهوى كرة الأرض بين الماء والطين, جعل لهم بلطفه من عالمهم [محلاً و] عمراناً, وسمّاه بيتاً له, وجعله مطافاً لزوّاره, ومريدي حضرته ليطوفوا حوله ويزوروه, ويستأنسوا بربّهم على حسب حالهم, ويستعدّوا بذلك لما فوقه من عوالم القدس, وربوة التقريب, وجعل لهذه الزيارة نسكاً كلّها مثاراً للترقّي من عالم الملك إلى عوالم الملكوت والجبروت واللاهوت.
وبعبارة أخرى هذه النسك معدّة لعامل بها إلى زيارة الكعبة الحقيقيّة التي ورد فيها أنّه لا تسعني أرضي وسمائي بل يسعني قلب عبدي المؤمن.
وبعبارة أخرى هي مورثة لمعرفة النفس التي فيها معرفة الرب كما أُشير إليه في المناجاة الشعبانيّة بقوله عليه السلام: «وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك حتّى تخرق أبصار القلوب حجب النور, فتصل إلى معدن العظمة, وتصير أرواحنا معلّقة بعزّ قدسك».
فإنّ الإنسان محتجب عن الوصول إلى معدن العظمة بحجب ظلمانيّة ونورانيّة, [الحجب] الظلمانيّة عبارة عن عالم الطبيعة التي هي من عالم الحسّ والشهادة, بل وبعض عوالم المثال أيضاً يلحق بالحجب الظلمانيّة والحجب النورانيّة بعد الترقّي عن عوالم الطبيعة بإلقاء المادّة والصورة, فحينئذ يرى نفسه مجرّدة عنهما, وتتجلّى له نفسه بحقيقة مجرّدة عن قشور المادّة والصورة, ويرى نفسه أمراً عظيماً, وتبقى الحجب النورانيّة وعند ذلك يفتح له باب المعارف الكشفيّة.
فكلّما طالع الحجب, وتفكّر في العوالم النوريّة, انكشف له العلم بالمبدأ والمعاد, وحقائق المقامات الدينيّة التي جمعها قوله تعالى: {كُلٌّ آمَنَ بالله وملائكتهِ وكُتُبِهِ ورُسُلهِ} (البقرة: 285) الخ «حتّى تخرق أبصار القلوب حجب النور فتصل إلى معدن العظمة», ويعدُّ من زوّار الله وجيرانه, وبالجملة قد جعل الله بلطفه لأهل هذا العالم بيتاً من جنس عالمهم حتّى لا يحرموا من فيض زيارته, وجعل لهذا البيت نسكاً مؤثّرة في إعداد الزائر وتأهيله لزيارة بيته الحقيقيّ.

الهدف من بعث الأنبياء تربية أناس روحانيّين غير مادّيين

ولا بأس بالإشارة إلى بعض ما تبيّن لنا من أخبار آل محمد ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من أسرار نسك الحجّ الموصلة إلى الزيارة الحقيقيّة الباطنيّة فنقول:
الأولى أن نتبرّك في ذلك أوّلاً بما روي عن الإمام سيد الساجدين عليه السلام من أسرار النسك, وفسّر في هذه الرواية المقصود الحقيقيّ من كلّ واحد من أعمال الحجّ برواية الشبليّ[1] وقال: لو لم تأت هذه الأعمال بهذه القصود كأنّك لم تأت بها أصلاً, وأوّل نزول الميقات بالانخلاع عن المعصية, ولبس ثوب الطاعة ونزع الثياب التجرّد من الرياء والنفاق, والغسل بالتطهير من الخطايا والذنوب, التنظّف بالنورة بالتوبة الخالصة لله.
والإحرام بتحريم كلّ ما حرّمه الله, والعقد على الحجّ بتحليل عقد غير الله, والدخول على الميقات بعد الإحرام بقصد زيارة الله والصلاة عند ذلك بالتقرّب إلى الله, التلبية بالنطق لله تعالى لكلّ طاعة, والصون على كلّ معصية, والدخول إلى الحرم بقصد تحريم كلّ غيبة لأهل ملّة الإسلام, ورؤية البيت برؤية بيت الله, قصد الله سبحانه, والقطع عن غير الله, والسعي إلى الهرب إلى الله تعالى, والاستلام بالحجر بالمصافحة بالله.
والوقوف على مقام إبراهيم بالوقوف على كلّ طاعة, والتخلّف عن كلّ معصية, الصلاة في المقام بقصد صلاة إبراهيم الخليل عليه السلام ولعلّ فيه إشارة إلى الوصول بالخلّة, والإشراف على زمزم والشرب منها على الإشراف بالطاعة والغضّ عن المعصية, والمشي بين الصفا والمروة بالكون بين الخوف والرجاء, الخروج إلى منى بتأمين الناس من اللسان والقلب واليد.
والوقوف على عرفة بمعرفة الله واطّلاع الله على السرائر والقلب, والطلوع إلى جبل الرحمة باعتقاد أنّ الله يرحم كلّ مؤمن ومؤمنة, والمشي إلى المزدلفة والتقاط الحصى برفع كلّ معصية وجهل, وإثبات كلّ علم وعمل, وإلى المشعر بتشعير القلب شعائر أهل التقوى والخوف, والوصول إلى المنى ورمي الجمار بالبلوغ للمقصود وقضاء الحوائج, وحلق الرأس بالتطهير من الأدناس والخروج من الذنوب وتبعات بني آدم, ومسجد الخيف بعدم الخوف إلا من الله وعدم الرجاء إلا منه والذبح بذبح الطمع والاقتداء بخليل الرحمن في ذبح ولده, والرجوع إلى مكّة وطواف الإفاضة بالإفاضة برحمة الله والرجوع إلى طاعة الله والتقرّب إلى الله تعالى.

ضرورة الشعور الوجداني والإدراك الواقعي والشهودي لمعاني العبادات

أقول: ومن أجل أنّ المقصود الأصليَّ من جعل الحجّ وكذا سائر العبادات تقوية جانب الروحانيّة, حتى يكون الإنسان بشراً روحانياً, ويترقّى من عوالم الجسمانيّين إلى عوالم الروحانيّين, فيحصل له معرفة الله وحبّه وأُنسه, ويجتمع مع أوليائه في دار كرامته, وحسن أولئك رفيقاً.
ولأنّ كل إنسان إلا ما شذّ وندر, قد كمل فيه الحيوانيّة قبل البلوغ لفقدان العقل والعلم والعمل, حتّى قويت فيه الصفات الحيوانيّة من السبعيّة, والبهيميّة والشيطانيّة, وضعفت فيه قوّته العقلانيّة والروحانيّة, وصار موجوداً بما هو حيوان, فكأنّه في إهابه كلب وخنزير وشيطان بالفعل, وإنسان ضعيف بالقوّة.
اقتضى لطفه تعالى أن لا يتركهم على ما هم عليه, حتّى يبعث الأنبياء, وشرّع لهم الشرائع, والعبادات والنسك, حتّى يردّوهم عن جسمانيّتهم إلى الروحانيّة, وعن عماهم إلى الهدى, وعن حيوانيّتهم إلى الانسانية, وعن ظلمتهم إلى النور, وعن بعدهم إلى القرب, وجعل لهم تكاليف وعبادات تنفع بعضها في دفع الظلمة ورفعها, وبعضها في جلب النور وإثباتها.
وبعبارة أخرى بعضها تؤثّر في التخلية وبعضها في التحلية وبعضها جامع لكلا الأمرين, والحجّ من القسم الأخير لأنّه معجون إلهيٌّ مركّب من أجزاء نافعة جداً لجميع أمراض القلوب, العائقة لها من عالم النور, وقد أُشير في الرواية السالفة, إلى أنواعها, ومثل ما فيه من علاج البخل مثلاً ببذل المال, وعلاج الاستكبار بالخضوع والذلّ في أفعال الحجّ والطواف والصلاة, لا سيّما بما لا يعلم سرّه من أفعالها مثل الهرولة في موضع خاصّ, وعلاج الكسل بتحمّل مشاقّ أعماله إلى غير ذلك.
فإذاً يلزم على المكلّف العاقل أن تكون همّته في حجّه, وكذا سائر عباداته على تأديته, بحيث يحصل منه مقصود شارعه وجاعله اللطيف, وهذا لا يتيسّر بالضرورة إلا بمعرفة المقصود من حقائق ما أُمر به, ليوقعه على وجهه ولا تفوته النتيجة.

لا بدّ من إخلاص النيّة لله تعالى دون وجود دواعي نفسيّة أخرى

أقول: كفى في ذلك ما في رواية الشبليّ من حكم تفاصيل جزئيّات الأعمال ثمّ العمل بما عرفه, والمراقبة في أن لا تفوته هذه الفوائد, وليعلم أنّ المراد من قوله عليه السلام في تضاعيف هذه الكلمات: فنويت من العمل الفلانيّ المعنى الفلانيّ؟ أن يتحقّق بحقيقة ما ذكر, مثلاً, [معنى] قوله عليه السلام: «هل نويت بالتجرّد عن الثياب أنّك خلعت ثوب المعصية» أن ينخلع واقعاً عن المعاصي الحاضرة بالفعل, وعن الآتية بالعزم الصحيح, وهكذا لأنّ النيّة لا تصحّ من المرتكب بالخلاف, بل يكون الاخطار بالضمير مع الارتكاب الفعليّ استهزاءً وغفلة لا نيّة.
وبالجملة المراد من النيّة التحقّق بحقيقة المنويّ لا إخطاره بالبال, ولو مع الاتّصاف بضدّه مثلاً, قال عليه السلام: «فنويت بالسعي بين الصفا والمروة أنّك بين الخوف والرجاء»؟ مقصوده عليه السلام أن يكون مردداً بين الصفا والمروة, بالرجاء والخوف حقيقة, كالمتردّد في فناء دار السلطان, المشرف إلى لقائه, كيف يرجو منه فضله وقبوله, ويخاف من ردّه وأخذه وعقابه, ويتردّد مشغول الهمّ بين هذين الأمرين, بل تكون الرغبة والرهبة هما المحرّك له في نفسه هذه الحركة.
وإذ قد تبيّن ذلك, فاعلم أنّ أوّل ما يجب على كلّ مكلّف في كلّ عبادة تصحيح النيّة وإخلاصها صادقاً, وإجماله في المقام أن يكون باعثه لإتيان الحجّ المعرفة السابقة المذكورة, من كون الحجّ معدّاً لرفع الحجب بينه وبين الربّ وموصلاً لزيارة الله, ولا يدخل في قصده لحاظ غيره, ويعرف ذلك ببعض الكواشف.

يجب أن تكون العبادة شوقاً وحباً لله تعالى

ومن جملتها أن يكون حاله بحيث لو علم بعد تجهيز السفر وشيوع خبره بين الناس أنّ مقصوده يحصل بصرف مؤونته إلى غيره, بحيث لا يعلم أحد, وأنّ ذلك آثر عند الله من حجّه, ترك الحجّ ولا يكون ترك الحجّ عنده ثقيلاً, ولا يستحيي عن الناس, بل يكون وجود الناس وعلمهم واعتقادهم في حقّه بالطاعة والمعصية سواءً, وأن لا يثقل في قلبه تسوية الناس له في المعاملات مع غير الحاجّ وبهذا المقدار يعرف أنّه قصد بحجّه القربة وأنّه أخلص في كونه لله وأمّا أنّه قصد به خصوص مقام القرب والزيارة, فيعرف ذلك أيضاً بسمة طالبي القرب واللقاء من الجدّ في السعي والاهتمام والشوق وخفّة المشاقّ, بل ارتفاع المشقّة من البين, والاستظهار بكلّ القدرة في رفع الموانع.

ضرورة المبادرة إلى التوبة وتدارك حقوق الله والعباد

روي في تفسير قوله تعالى حكاية عن الكليم: {وعَجِلتُ إليكَ رَبِّ لتَرضى} (طه: 84) أنّه ما أكل ولا شرب ولا نام أربعين يوماً شوقاً إلى لقاء الله, وثانياً أن يعمل بلوازم هذا القصد, ولعمري إنّ هذا القصد إذا تحقّق إنّما يكفي في البعث على لوازمه, ولا يحتاج زيادة تنبيه وتعليم, لأنّ تعليم طرق النياحة على الثكلى غلط, ومن البديهيّات أنّ كل ما يشغله عن الله من المحرّمات والمكروهات والمباحات, إنّما هي مانعة عن الوصول إلى المأمول, فلا بدّ له من قطع علاقة الشهوات والمرادات لها إلا إرادة الوصول إلى الله.
وبالجملة لا بدّ لمن دخل هذا الميدان أن يتهيّأ بكمال جدّه ومبلغ استطاعته مستمدّاً من النفحات الإلهيّة الرحيميّة, والجذبات الربّانيّة اللطيفة, لتحصيل عُدّة حضور ربّ العالمين جلّ شأنه, والعمدة في ذلك تحصيل الشوق, والأولى في ذلك أن نذكر ما في مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام في وصف المشتاق وهو قوله عليه السلام: «المشتاق لا يشتهي طعاماً, ولا يلتذّ شراباً, ولا يستطيب رقاداً, ولا يأنس حميماً, ولا يأوي داراً, ولا يسكن عمراناً, ولا يلبس ثياباً, ولا يقرّ قراراً, يعبد الله ليلاً ونهاراً, راجياً بأن يصل إلى ما يشتاق إليه, ويناجيه بلسان الشوق معبّراً في سريرته», كما أخبر الله تعالى عن موسى في ميقات ربّه {وَعَجِلتُ إليكَ رَبِّ لِتَرضى} (طه: 84) وفسّر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن حاله أنّه «ما أكل ولا شرب ولا نام ولا اشتهى شيئاً من ذلك في ذهابه ومجيئه أربعين يوماً شوقاً إلى ربّه, فإذا دخلت ميدان الشوق فكبّر على نفسك ومرادك من الدنيا, ودع جميع المألوفات, اصرفه عن سوى مشوقك ولبّ بين حياتك وموتك (بقولك) لبّيك اللهم لبّيك, هذا».

عليك أن تسافر سفر المودّع فلا تتزوّد بزاد أهل الدنيا من الملاهي والملذّات

ويبالي أنّ أغلب الناس مثلي ليس لهم هذه المهمّة, فالأولى أن نعرض عن تفصيل هذا النمط فنقول: إن لم تكن من أهل المحبّة والشوق, فلا محالة من أن تكون من المتوسّطين من أهل اليمين, الخائفين من افتضاح حضور مجلس الروحانيّين, فبادر إلى توبة صادقة واجبة على كلّ واحد من المكلّفين لا أقول: توبة الأولياء والأصفياء والخواصّ بل توبة العوامّ التي تجب على كلّ عامّي أن يتوب من الذنوب والكبائر الفقهيّة فيما يأتي ويستعلج بما يقدر عليه ما مضى من تدارك ما فات من الواجبات والكفّارات وردّ الحقوق والمظالم على ما قرّر في محلّه.
والأولى أن يأتي بالعمل الوارد في شهر ذي القعدة من الغسل والصلاة والدعاء لمريد التوبة ويدبّر بقدر تكليفه أموره في وطنه وأهله, وأمانات ربّه, بحيث يفرغ قلبه عن الشغل بفكرها, ويوصي وصيّة ويفرض أنّه لا يرجع عن سفره هذا.
ولكن يكون تدبيره في ذلك لمحض أمر الله, وبقدر أمر الله, وأمّا في قلبه وسرّه فيوكّل أمر كلّ ما يتعلّق به في وطنه وأهله وجميع علائقه إلى ربّه, ويفوّض أمرهم وأمر نفسه وما معه في سفره إلى ربّ البيت, ويحسن رجاءه بحسن خلافته تعالى فيما خلّفه, وحسن صحابته وجواره ـ في طريق زيارته ودار وفادته ـ في نفسه وما معه, فإنّه نعم الخليفة, ونعم الصاحب, ونعم المزور.

وأيضاً ينبغي أن لا يحمل في سفره ما يشتّت فكره, ويفرّق خياله وهمّه من العلائق, من النسوان والأولاد والرفيق غير الموافق, والأسباب غير اللازمة أو ترك الأسباب اللازمة ولا يكون رفيقه إلا مثله في الحسب والمقدرة, لئلا يذلّ المؤمن, ولا يذل نفسه, ولا يكون كلاًّ على غيره, وينبغي أن يكون رفيقه أعلم وأتقى منه ليستفيد من صحبته, ويستكمل نفسه بتقليده, ويتذكّر بذكره.
وبالجملة يودّع بقلبه جميع ما خلّفه كلاًّ حتّى لا يشغل همّه عن التوجّه التامّ إلى ما قصده, ولا يستصحب معه شيئاً شاغلاً عن ذكر ربّه, وهمّ زيارته, والتقرّب إليه بتحصيل رضاه, ليكون همّه همّاً واحداً, وحاله في خدمته سرمداً, حتّى يكون زائراً مقصور الهمّ في زيارة حبيبه, وعبداً شاخصاً في خدمة مولاه, وإذا كان كذلك فلا بدّ أن يحسن خلقه مع رفقائه, ويعذب معاملته معهم, ويحبّ صلتهم وخدمتهم, والتحمّل عنهم, ويلتذّ منهم, ويستأنس بهم, حتّى الجمّالين والأكرة بل المراكب والمنازل كما قيل:
أمرُّ على الدّيار ديار ليلى أُقبّل ذا الجدار وذا الجدارا
فما حبُّ الديار شغفن قلبي ولكن حبُّ من سكن الديارا
وكما قال الشاعر:
جمال كعبه جنان ميدواندم بنشاط كه خارهاي مغيلان حرير ميآيد
أجول جمال كعبة الجنان نشيطاً فتضحي أشواك أم الغيلان حريراً
ولعلّ من هذا الباب ما روي عن السيد السجّاد وإمام الزهّاد أنّه كان يستصحب في زاد سفر الحجّ لوزاً وسكّراً وغير ذلك من الحلويّات, فلا بدّ أن يكون ذلك منه عليه السلام ليصرفها في الحجّاج, وينفق في سبيل الله لزوّار الله أحسن النفقات, ولأنّ ما يصرفه في هذا الطريق مصروف في الحبيب, وهو بعين الحبيب.
وحينئذ لا يتصوّر أن يثقل عليه ما يتلف منه, أو يصرفه باختياره من ماله, ويبذله من جاهه وقوته, ولا يقل عليه جفاء الخادم والرفيق, بل يحلو عنده مرّ أذاهم, يقابلهم من سوء المعاملة بالرفق والإحسان, ومن الأذيّة بالشكر والامتنان, لأنّ رضا الخالق في جفاء المخلوق كما أُشير إليه في الحديث القدسيّ.
ثمّ إنّه ينبغي أن يقدّر سيره في الطريق سيراً إلى الله وتقرّباً إليه وبالجملة أيضاً زاده الذي هو التقوى, وراحلته التي هي بدنه, ورفيقه الذي هو أهل التقوى من المؤمنين, ودليله الذي هو من يهديه إلى ربّه من أهل العلم واليقين, وأمير الحاجّ الذي هو إمامه عليه السلام.
ومراعاة التقوى أن يجاهد نفسه في تحصيلها بمراتبها وأوّل مراتبها التقوى من المحرّمات, ووسطها التقوى من الشبهات, وآخرها التقوى من كلّ ما يشغله عن الله حتّى المباحات.
ومراعاة بدنه بتدبير أمره بحيث يحمله في سفره إلى الله, ويحمل زاده, ويطيعه في الحمل وقطع الطريق, ولا يعصيه في ذلك إلا عن الضعف ولا عن الجموح.
وأمّا مراعاة الرفيق وهو أن يتّخذ لنفسه إخوان الصفا, ويحذر عن مصاحبة إخوان المكاشرة, ويجتهد في اتّحاد قلبه وعمله مع إخوانه, في تحصيل معرفة الله ومحبّته, وفي التعاون على ذلك كلّه, فإنّ للاجتماع واتّحاد القلوب والهمم تأثيراً خاصّاً في نيل المقصود.
وأمّا مراعاة الدليل وهو المقلّدُ في المسائل الفقهيّة, ومعلّم الخير في تهذيب الأخلاق, والعارف الكامل في المراتب العرفانيّة, فمراعاته الاقتداء به, الاستضاءة بنوره, والاستهداء بهداه.

إذا بذل الحاجّ وسعه لتحصيل معاني الحج فإنّ الله يوفّقه لنيلها

وأمّا مراعاة الحاجّ وهو خليفة نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم وإمام زمانه عليه السلام, ومراعاته معرفته وولايته وطاعته, وهذا أهمّ الأمور وأوجبها, ولا يتيسّر السير إلى الله بغير ذلك, هو من الضروريّات, ولم يدع إلى شيء مثله في هذا الطريق, ومن تخلّف عن أمير الحاجّ انقطع عن الطريق, ويهلك مع الهالكين, ويلحق بحزب الشياطين.
وبالجملة معرفة الإمام وولايته شرط في صحّة العمل وقبوله, فلو أنّ عبداً صام دهره وقام تمام عمره بصلاة وعبادة وحجّ, وتصدّق بجميع ماله, لم يتقبّل منه إذا لم يعرف إمام زمانه, أو لم يواله, ولم يكن ذلك بدلالته.
وكيف كان يكون جدّه وهمّته في إصلاح نفسه, والاستخلاص من عوالم الطبيعة, إلى عوالم النور, بحيث يستعدّ قلبه وروحه لمشاهدة أنوار الجمال, وكشف سبحات الجلال عند زيارة البيت, رزقنا الله وجميع أوليائه مثل هذا الحجّ.

بيان تفصيلي للمعاني الباطنيّة لأفعال الحجّ ومناسكه

لا يقال: إنّ ما ذكر لا يتيسّر إلا للأنبياء وخواصّ الأولياء, بمجاهدات صعبة, وتحمّل مشاقّ كثيرة, في مدّة سنين, وأمّا أمثالنا فلا يمكن نيلنا بذلك, وإن فرضنا الإمكان أيضاً لا ينال إلا بمجاهدات أعمار طويلة, وأمّا في مدّة سفر الحج التي لا تزيد على شهرين أو ثلاثة أشهر, فلا مطمع لأحد في الوصول إلى مثل هذا الأمر الجليل العزيز الوقوع.
لأنّا نقول: إنّ هذه الخطرة إنّما هي من الخبيث ليسدّ عليه الباب, فإن تبعها فقد سدّ الباب وأضلّه عن الطريق, وإن ردّها بأنّ الله تعالى إنّما دعا عباده المؤمنين لنيل هذا المراد فلو كان محالاً لما دعاهم إلى ذلك, وأنّه إن كان ذلك بحولنا وقوّتنا فما قلته حقٌّ لا ريب فيه, إلا أنّه لا يختصّ في الطمع لذلك المرام بل هو مشترك بالنسبة إلى جميع الخيرات, بل جميع الأمور لأنّه لا يوجد الخير إلا من عنده ولا حول ولا قوّة بل ولا إرادة ولا وجود لأحد إلا بالله ومن الله.
وإن كان بحوله وقوّته, ونفحات فضله وكرمه, فهو أقدر الأقدرين, وأكرم الأكرمين, وأجود الأجودين, وقد أخبر عنه وسائط فضله, ووسائل عباده إليه أئمّتنا عليهم السلام بأنّ الراحل إليه قريب المسافة, وأنّه لا يحتجب عن خلقه, إلا أن تحجبهم الأعمال السيئة دونه, هذا.

وإذا فَقِهَ الحاجّ معنى الحجّ واشتاق إليه, وعرف عدّته الظاهرة والباطنة فليقصد عند إتيان كلّ ما يفعله في حجّه من اللوازم العاديّة والعباديّة ما يناسبه من أحوال حجّه الحقيقيّ الواقعيّ وليراقب في صحّة أفعال حجّه الظاهريّ.
مثلاً إذا قصد إلى مهاجرة الأهل والأولاد والأوطان قصد بذلك مهاجرة الشهوات والمعاصي, وكلّ ما كره الله, بل كلّ ما يشغله عن الله, ويعامل فيما خلّفه برضا الله, ويقدّر في نفسه أنّ الله تعالى سيسأله عمّا خلّف, كيف خلّف؟ وأنّه لا يعود إليهم ولا يلاقيهم إلا يوم القيامة, وأن يسترضي ويستحلّ عن كلّ من يعرفه.
وليتذكّر بسفره هذا سفر آخرته, وإذا قصد حمل الزاد أوجب على نفسه حمل زاد سفر الآخرة وهو التقوى, ويداقّ في حلّ زاده, ويستكثر من الزادين للسفرين, قصد باتّخاذ الراحلة أنّه يحتاج في سفر الآخرة أيضاً إلى الراحة, وأنّ مطيّة سفر الآخرة بدنه, ويجب مراعاته وتعاهده كما يتعاهد المطايا في السفر, علفه بما يلزمه من التقوية, ويمنعه عمّا يزيد على ذلك, ولا يبعثه على الجموح ويسوقه بما يتقوّى عليه, ويحمل عليه ما يحتمله, ويراعي حقوق كلتا المطيّتين ما استرعاه الله.
وأمّا قطع البوادي, والسير في الفيافي, ونزول العقبات, فيتذكّر بذلك عقبات سفر الآخرة من حين الموت إلى حين نزول دار الثواب, فإنّ فيها عقبات كؤودة لا يجوزها إلا البكّاؤون في الدنيا من مخافة الله, وأيسرها الموت, وما بعد الموت أعظم وأدهى.
وأمّا لبس ثوبي الاحرام فليقصد بخروجه عن أثوابه خروجه عمّا يخالف إرادة الله, بلبس ثوبي الاحرام لبس لباس التقوى, ولباس التقوى هو خير, ويتذكّر به كفنه الذي يشبهه وأنّه سيلفّ به.
وأمّا نفس الاحرام والتلبية فهو بمنزلة إجابة الله حيث دعاه بلسان خليله على نبيّنا وآله وعليه السلام فليكن على خشية ورجاء من الردّ والقبول.
وليتذكّر ما روي عن سيّد الساجدين عليه السلام أنّه غشي عليه حين أحرم ولبّى ولم يفق حتى قضى حجّه وسئل عن ذلك قال: خشيت أن يقال: لا لبّيك ولا سعديك.
وروي أنّ من حجّ من غير حلّه ثمّ لبّى قال الله عزّ وجلّ: لا لبّيك ولا سعديك, حتّى تردّ ما في يديك وليكن على ذكر من نداء الله الخلائق للحشر بنفخ الصور وازدحامهم على العرصات.
وأمّا دخول الحرم, فليقوّ رجاءه على كرم الله وفضله عنده, ليأمن من سخط الله وغضبه مع خوف ما عن الردّ والاستدراج, فلا يأمن مكر الله, ولكن يكون رجاؤه أغلب لأنّ شرف البيت عظيم, وربّ البيت أكرم وأرحم, وحقّ الزائر مرعيٌّ وذمام المستجير عليه غير مضيّع, والكريم يسامح مع الوافدين ما لا يتسامح مع غيرهم, لتكن عليه سمة العبوديّة والخشوع والذلّ كما ورد في الأخبار من أخذ إحدى نعليه بيده.
وبالجملة كلّ ما قدر عليه من الجدّ في إظهار الخشوع والتذلّل فليأت به, ويكون مثل حاله مثل ما يروى من أحوال العصاة يوم القيامة إذا ظهر سلطان الله, وأُشير إليه في القرآن الكريم, بقوله: و{يَنظُرونَ مِن طَرف خَفيّ} (الشورى: 45) ولكن مختلطاً بسكر الحبّ, وهيجان الشوق, وليكن نظره إلى أرض الحرم وسكك مكّة, ودورها لا سيّما إلى بيت نظر هيبة ومحبّة وليكن يقوّي جهة المحبّة.
ويكثر من قول: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» وإن ساعده التوفيق أن يتجلّى له عند التسبيح سبحات الجلال, وعند الحمد أنوار الجمال وعند التهليل صفة التوحيد, ويلقي عند التكبير جبل الأنانية, ويكبّر على ما سوى الله فقد فاز ونال.
وأمّا الطواف فهو من وظائف عين الزيارة بعد الوصول, كما شبّهه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالصلاة, والصلاة الزيارة كما فسّر خليفته ووصيّه أمير المؤمنين عليه السلام «وقد قام الصلاة» بقوله: أي حان وقت الزيارة.
وأمّا الاستلام فيقصد به البيعة لله بالطاعة ونفي الاختيار, ويقصد بالتعلّق بالأستار والالتزام, الالتجاء للقبول والعصمة والتبرّك بالمماسّة.
وأمّا السعي فمثله كمثل من يتردّد بين الخوف والرجاء بعد الوفود على السلطان, لمنتظرٍ لاستعلام آثار القبول المتردّد في فناء بابه.
وأمّا الوقوف بعرفة فتشمّر بجدّك أن تنال فيه بكمال المعرفة.
واعلم أنّ اجتماع الحجّاج في الدعاء في صعيد واحد لا سيّما بلحاظ حضور الصلحاء وأهل الباطن من الأبدال والأوتاد, أو غيرهم من الكاملين الذين لا يخلو الحجّاج من بعضهم لا محالة, مع اجتماع القلوب والهمم, لاستنزال الرحمة, واستمطار سحائب الجود والكرم, بمد الأعناق, وشخوص الأبصار, والتضرع والبكاء, والابتهال, كاد أن يكون علّة تامّة للإجابة, فإنّ لاجتماع القلوب والهمم تأثيراً خاصّاً في نجح المقاصد, والوصول إلى المطالب, ولذا قيل: إنّ من أعظم الذنوب أن يحضر أحد عرفات, ويظنّ أنّ الله تعالى لم يغفر له.
وأمّا الوقوف بالمنى فيقصد به المصافاة والتأمين بعباد الله من المضادّة والخلاف في طريق الوداد, وبالتقاط الحصى رفع كلّ خلاف ومعصية لله عزّ وجلّ, وإثبات كلّ علم وعمل, وبرمي الجمار البلوغ للمقصود, وقضاء الحوائج, وبالذبح [قطع] الطمع عن غير الله, والاقتداء بخليل الله, وبالرجوع إلى مكّة, وطواف الافاضة الإفاضة برحمة الله والرجوع إلى قرب الله.

[1] - قد ذكرنا هذه الرواية العظيمة في موقع رحاب الوحي ضمن بحث مستقلّ في قسم "الحج والعمرة", تحت عنوان: أسرار الحجّ وملكوته ببيان الإمام السجاد عليه السلام. (الهيئة العلمية في موقع رحاب الوحي)
عودة إلى القائمة