13 ربيع الأول 1441 هـ.ق. - الإثنين 11 تشرين الثاني 2019 م.

الرئيسية > الحج والعمرة > زيارة الرسول صلى الله عليه وآله ببيان آية الحق والعرفان جواد الملكي التبريزي


كيفية زيارة رسول الله صلى الله عليه وآله
ببيان آية الحق والعرفان جواد الملكي التبريزي رضوان الله عليه

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين

يذكر آية الله جواد الملكي التبريزي في كتابه الشريف المراقبات, بعض الأبعاد الباطنيّة والوصايا السلوكيّة لكيفيّة التشرّف بزيارة رسول الله صلى الله عليه وآله في المدينة المنوّرة, يجدر بالزائر أن يراعيها ويقف على مضامينها العميقة وأبعادها الملكوتيّة الدقيقة, فيقول رضوان الله عليه:

[وأمّا آداب الزيارة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته المعصومين عليهم السلام ففيها أمور مهمّة نشير إلى إجمالها:
أوّلها: معرفة حرمة المزور, ومعرفة حقّه عليك فنقول في ذلك: إنّ الذي عليه عقيدة أهل الإسلام كافّة أنّ نبيّنا صلوات الله وسلامه وآله أشرف خلق الله كافة, وأنّه سيّد خلق الله, وأنّه حبيب الله, وورد في المعتبرة عنه صلّى الله عليه وآله وسلم أنّه أوّل خلق الله, وأنّه دنا في معراجه من ربّه مقاماً لم يقدر جبرئيل أن يصاحبه, وأنّه {دنا فَتَدلّى * فكان قاب قوسَينِ أو أدنى} (النجم: 8 ـ 9) دنوّاً واقتراباً من العليّ الأعلى, وأنّه اسم الله الأعظم, وأنّه صاحب الوسيلة والحوض, والشفاعة الكبرى, وأنّه المثل الأعلى وأنّه واسطة بين الله تعالى وجميع الكائنات, وأنّه الحجاب الأقرب, وطرف الممكن.
بالجملة يعرف أنّه من الله تعالى بمكانة يغبطه بها الأوّلون والآخرون, من الأنبياء والمرسلين, والملائكة المقرّبين, وأنّه لا يمكننا أن نصل إلى كنه معرفته. وأمّا معرفة حقّه فيكفي في ذلك حديث لولاك, وأنّه علّة غائيّة لجميع الخليقة, وأنّه رحمة للعالمين, هذا بالنسبة إلى عامّة الممكنات, وأمّا خصوص أمّته فيزداد لهم حقوق هدايته الخاصّة, وتحمّل ما وصل إليه من الأذى في ذلك, حتّى نطق بقوله: «ما أوذي نبيٌّ مثلي» وهو ما ينطق عن الهوى بتصديق الله جلّ جلاله في كتابه.
وإذا عرفت جلالته وحقّه وعلمت أنّه حيٌّ عند ربّه ينظر إلى زوّاره ويسمع سلامهم, ويعرف ضميرهم, ويستغفر لذنوبهم, ويشفع في حوائجهم, فعند ذلك تزوره كأنّه حيٌّ يراك ويشافهك, ولا يشغلك شيء عن التوجّه إليه, وتتوجّه بمجامع وجودك إلى حضرته, مع هيبة ومحبّة, وتملّق وحياء, وتراقب أدب حضوره, ولا تسأم عن طول مناجاته, وعرض حوائجك عليه, ولا تكلّم أحداً في حرمه, بل ولا تنظر إلى شيء يشغلك عن مراقبتك علمه بك, ونظره إليك, تستعلج لجميع أمراضك وحوائجك باستجلاب عطوفته, واستمطاره سحائب جوده ورأفته صلى الله عليه وآله وسلم.
واعلم علماً يقيناً أنّه صلى الله عليه وآله وسلم أكرم جميع الخلائق, وأجود من كلّ جواد كريم جواد عطوف, شفيق رفيق, ودود رؤوف, وقد وصفه الله عزّ وجلّ في كتابه العزيز بخلق عظيم, ولا تتسامح في الاسترحام والسؤال, والتضرّع والابتهال, فإن الكريم لا يضيع حرمة الوافدين, ويتسامح في تقصيراتهم وزلاتهم ويصفح عن عمدهم وخطئهم.

وتذكّر معاملته مع قاتل عمّه حمزة عليه السلام حيث قبل توبته, وتفكّر فيما ناله منك من الجفاء والإيذاء, حيث تُعرض عليه أعمالك, ويرى معاصيك وذنوبك, ويتأذّى بذلك, وكم من أذية ومكروه قد أوصلت إلى قلبه الشريف بسوء عملك, أوجعت صدره العزيز بقبيح أعمالك.
وليكن عليك سمة الحياء عند زيارتك, واعتذر إلى كريم فنائه وجنابه لا محالة عن ذلك, ولا تضنّ عن الاعتذار بقدر جنايتك, فإنّ لكلّ جناية اعتذاراً يليق بها ويناسبها, وتلطّف في الشكر والثناء بقدر نعمه عليك.
ولعمري إنّك لا تؤدّي حقّ اعتذار جناياتك, ولو نطقت بجميع جوارحك طول عمرك بالاعتذار, ولا تأتي بحقّ شكره ولو شكرته مدى الأعمار والأعصار, لأنّ الجناية الحقيرة تعظم مع عظمة المجنّي عليه, ومع لحاظ إحسانه إلى الجاني, فإذا جاوز العظمة عن الحدّ, وكثر الإحسان فوق حدّ الإحصاء, قصرت الألسن عن أداء حقّه, والأعمار عن بلوغ غايته.
وهكذا حقّ الشكر إنّما يتزايد بزيادة جلالة المنعم, وكثرة النعم وجزالتها وليس لحقّ نعمة الوجود ولا الهداية غاية, ولا لجلالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منتهى, حتى يقدر أحد من أمّته على أداء حقّ شكره, فيجب بحكم قاعدة الميسور أن يبذل طاقته في أداء الاعتذار, ويجتهد بكلّ قدرته في الشكر, ويعترف بقصوره عن أداء حقّهما.
وإذ قد سمعت هذه الأمور فلا عليك أن تجتهد بكلّ جهدك ومقدورك في زيارته صلى الله عليه وآله وسلم فإنّك أحكمت مباني معرفته, ومعرفة حقوقه وفوائده ومراحمه وكنت على يقين من ذلك فلا بدّ أن تبعث هذه المعرفة في قلبك شوقاً إلى زيارته لا سيّما بلحاظ ما ورد في فضل زيارته, والمشتاق لا يحتاج إلى تعليم مراسم الوداد ولا يمتنع عن الجهد والاجتهاد, في الوصول إلى مشوقه ورضاه, وعرض الشوق والملق والاستكانة بما لا يخطر على ضمير غيره, بل يسير في طريق زيارته برأسه لا برحله كما حكي عن البسطاميّ والرابعة العدويّة أنّهما صلّيا في طريق مكّة المشرّفة في كلّ قدمين ركعتين, فلا بدّ للزائر المشتاق أن يعامل في طريق زيارته مع كلّ من يتعلّق بهذا الطريق ومع كلّ ما يتعلّق معاملة المحبّ فيرفق بالزوّار والأكرة والخدّام والدوابّ ويتحمّل أذاهم ويخدمهم, بل ولا يرى إيذاءهم أذيّة وينفق عليهم ويكرمهم حتّى يقرّب من بلد المزور, فيزداد شوقه ويجدّ في السير يخاطب الطريق ويسلّم على الديار ويحنّ إلى رؤية سواد البلد, وآثار المشهد.
وإذا شرّف برؤيته يخرّ ساجداً لله ويقوم مسلّماً وباكياً بإظهار الشوق والملق ويقدّر في نفسه زمن حياته صلى الله عليه وآله وسلم وأنّه كان يتوطّن في هذه البلدة, ويمشي في سككها, ويسكن في دورها, وأنّ هذه المحالّ مواضع أقدامه الشريفة, ومواطن جسده المبارك.

ويتبرّك بدخول البلد, ويتثاقل عن المشي فيها بالأقدام, لا سيّما مع النعل ويقبّل جدرانها وترابها, ويمسّ وجهه بأرضها محبّة ويقول:
أمرّ على الديار ديار ليلى         أُقبّل ذا الجـدار والجـدارا
وما حبّ الديار شغفن قلبي      ولكن حبّ مـن سكن الديارا
ويهاب من دخوله ويدعو الله عنده بالتوفيق والاذن, ويستأذن من حضرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويعرض إلى جنابه شوقه إلى زيارة وجهه المبارك, ويشتكي من فراقه وغيبته وما بلغ به الأمر بعد وفاته, من كيد المنافقين, وغشم الظالمين, حيث غصبوا الخلافة وتأمّروا على الناس, وأضلّوا الأنام, ووثبوا لظلم آله البررة الكرام, منعوا إرث سيّدة نساء العالمين, إجمالاً.
ثم يغتسل ويلبس أنظف ثيابه, ويتطيّب بما يقدر عليه, ويقصد حرمه على سكينة ووقار, ويمشي إليه ويقرّب بين خطاه, مسبّحاً, حامداً, مهلّلاً مكبّراً مصلّياً, ويقدّر أنّه بمرأى منه صلوات الله عليه وآله, يراه وينظر إلى حركاته, وخطرات ضميره, ويشاهد مراتب أشواقه, وحسرات قلبه وأحزانه. ويتوجّه بكلّه إليه ويهتمّ أن لا يخطر غيره ـ صلوات الله عليه وآله ـ بقلبه ولا ينظر في طريق زيارته إلى أحد بل إلى شيء من الأشياء ليشغله عن حضور قلبه.
وإذا وصلت إلى باب الحرم فاعلم أنّك قصدت ملكاً عظيماً لا يطأ بساطه إلا المطهّرون, ولا يؤذن لزيارته إلا الصدّيقون وأنّك أردت حرماً لا يدخله الأنبياء والمرسلون, والملائكة المقرّبون بغير إذن, فاستأذن بقلبك ولسانك الله جلّ جلاله ثمّ استأذن حضرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمّ خلفاءه وأوصياءه لا سيّما باب مدينة علمه والبقيّة من خلفائه, ثمّ استأذن ملائكة الله الموكّلين بحرمه الشريف, وهب القدوم إلى بساط خدمته, وحضور مجلسه, فإنّك على خطر عظيم إن غفلت.
واعلم أنّه قادر بالله جلّ جلاله على ما يشاء من العدل والفضل معك وبك, فإن عطف عليك بكرمه وفضله, وقبلك وقبل زيارتك, وأجاب سلامك, واستمع إلى كلامك, طوبى لك, ثمّ طوبى لك, فإنّك فزت لزيارة الله جلّ جلاله, شاركت في ذلك الملائكة المقرّبين, والأنبياء والمرسلين, وحسن أولئك رفيقاً.
وإن طالبك باستحقاقه ما يجب عليك من الصدق والخلوص, والاخلاص والوفاء, والأدب والصفاء, وحجبك وردّك, فويل لك, ثمّ ويل لك, وقد خسرت خسراناً مبيناً.
واعترف بعجزك وتقصيرك, وانكسارك وفقرك, بين يديه, فإنّك قد توجّهت لزيارته ومؤانسته, فاعرض حالك وسرّك عليه, واطلب الهمّة منه بالتوسّل إليه, والالتجاء إلى باب فضله وكرمه, والاستشفاع بعترته وذريته, فإنّه يعلم بإعلام الله وإخباره كلّ ما سنح بخاطرك, وخطر ببالك في ذلك, وكن كأدون عبيده ببابه, انظر من أيّ ديوان يخرج اسمك.

فإن رقّ قلبك, ودرّت عيناك, وهاج شوقك, ووجدت في قلبك حلاوة مناجاته, ولذّة مخاطبته, وشربت بكأس كرامته, من حسن إقباله عليك وقبوله فادخل فلك الإذن والأمان, واللطف والإحسان, وإلا فقف وقوف من انقطع منه الحيل, وقصر عنه الأمل, والتجأ إلى الله جلّ جلاله التجاء المضطرّين في استعطاف قلبه الشريف, واستدرار لطفه المنيف.
فإن علم الله من قلبك صحّة الاضطرار, وصدق الالتجاء إليه, نظر إليك بعين الرحمة والرأفة, وعطف عليك قلب حبيبه بالكرامة والعطفوفة, ووفّقك لما تحبّ وترضى, فإنّه كريم يحبّ الكرامة لعباده المضطرّين إليه, المحترقين على بابه لطلب رضاه, وقد أنزل في كتابه {أمَّن يُجيبُ المضطرّ إذا دعاه ويكشفُ السوء} (النمل: 62).
وقبّل عتبته الشريفة, وادخل قائلاً: «بسم الله وبالله, وفي سبيل الله, وعلى ملّة رسول الله, الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله», ثمّ امش بسكينة وخشوع وذكر حتّى تقف قبال الضريح المقدّس وقبّله وسلّم عليه بحقيقة السلام وعلى آله وآبائه وعترته على التفصيل والترتيب, وبالغ في عرض التسليم والتصلية.
واعلم أنّ السلام من أسماء الله تعالى أودعه خلقه, ليستعملوا معناه في معاملاتهم فمن لم يقدر على أن يستعمل معنى السلام مع نبيّه فهو لا يقدر أن يستعمله مع أحد من الناس, واستعماله مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعامله معاملة لا تؤذيه ولا تسيئه لا محالة وهل ترى أن يرى رسول الله مع ما فيه من الشفقة على أمّته ـ معاصيك الكبيرة ولا يسيئه ذلك, ولا يتألّم منها, فأين السلام؟
وبالجملة فلك أن تقدّر حضوره ـ صلوات الله عليه ـ بين يديك, وهو متوجّه إليك, مقبل عليك, يرى ويسمع كلّ ما تفعله في ظاهرك وباطنك, وهو مطّلع على سرائرك, وخفايا أمورك وأعمالك.
إذاً كيف يكون حالك لو كنت متلبّساً فعلاً بما نهى عنه من لباس بدنك أو حرّمه من تملّك مال غيرك, أو عدم ردّ حقوق عترته, وذريّته, أو الفقراء من أمّته, أو شيء من حقوق الله جلّ جلاله وأنت قائل في زيارته:« أنا محلّل حلالك, محرّم حرامك» أو قائل: «زرتك يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستبصراً بضلالة من خالفك» ألست أنت هذا المخالف الضالّ أو تستثني نفسك من المخالفين!.
أوَ ما تقول في زيارته: «بأبي أنت وأمّي ونفسي ومالي وولدي» وكيف تفديه بذلك كلّه وأنت تخالف أمره ونهيه في مقدار قليل من المال, ولو قال لك: «يا كاذب أتخدعني» ماذا جوابك؟ واحذر أن تكذب في دعواك بحضرته, وهو قد حرّم الكذب, واعلم أنّ الكذب مع من يعلم الكاذب أنّه يعلم كذبه, قد يكون استهزاءً, العياذ بالله, من هذا الاخطار.

وبالجملة زيارته ـ صلوات الله عليه ـ أمر عظيم وقد روي في ذلك أنّه يزور زائره مرّتين, ولكن خطره أيضاً عظيم جدّاً, فاحذر أن تقع فيه بجدّك, ولا تحسبه هيّناً وهو عند الله عظيم.
والأهمّ أن تستحكم معرفته وعظمته وعلمه بحالك وسرائرك, وأن تعرف آفات قولك وعملك, وحقائق دعواك, فإذاً إن لم تقدر على إصلاح قلبك وعملك فلا محالة من أن تعترف بتقصيرك, ويكون عليك حياء المقصّرين, مع خوف وخضوع وتذلّل بقدر جنايتك, فإذاً لا ترى حيلة إلا التوسّل إليه, والالتجاء إلى باب كرمه وصفحه, مع اضطراب القلب, من الأخذ بالجناية والردّ واللعن, الخسران المبين والهلاك الدائم, أو الصفح والعفو, والكرم والتفضل, [أن] يشغلك خطر هذه الأحوال لا محالة من دالّة المطيعين.
ولو كان قلبك متأثّراً من هذه الأحوال, فلا محالة من أن تظهر بعض أثراتها في ظاهرك, فإنّ الخائف من الردّ والأخذ, ترتعد جوارحه, ويتغيّر لونه, أما سمعت أنّ الإمام السجاد عليه السلام مع عظمته وعبادته, كيف تغيّر لونه عند قوله: «لبّيك اللهم لبّيك» وغشي عليه وسئل عن ذلك وقال ـ بنفسي هو ورحي وأرواح جميع العابدين المراقبين ـ: خشيت أن يقال في جوابي لا لبّيك.
وانظر يا مسكين هذا الامام حجّة الله المعصوم من الزلل, والمطهّر من الإثم كيف يتأثّر من هيبة العظمة, فكيف بنا لا نخاف أن يقال في جواب سلامنا لا سلام عليك, أو يقال وعليك اللعنة والعذاب.
وبالجملة يجب على الزائر بحكم العدل أن لا يحضر هذا المحضر العظيم إلا بعد توبة صادقة مطهّرة له لا محالة من المخالفة الفعليّة, حتّى يأمن من الردّ وينجو من ورطة العتاب, فإن لم يوفّق لذلك, فله أن يدخل من غيرها من الأبواب التي دخل منها غيره من المقيّدين في أسر الهوى, والمكبّلين المنهمكين في الردى فظفروا بالتجاوز والصفح الجميل, والفضل النبيل, من أبواب الاعتراف, والاعتذار والحياء, والتوسّل والاستغفار, والالتجاء والاضطرار, فإن لم تسمح نفسه العوّادة بالإهمال, باحتمال لوازم هذه الأبواب, فلا محالة من أن يدخل من باب عدم القنوط من الإجابة.
وتدعو الله جلّ جلاله بالرجاء في استعطاف قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليك فإنّ إبليس دخل من هذا الباب وظفر بالمراد, ولتقل في دعائك: «اللهمّ يا من أجاب لأبغض خلقه إبليس, حيث استنظره, فاستجب لي كما استجبت له, فإنّه دعاك وهو عاص, وأنا أدعوك وأنا عاص, فكما أنّ إجابتك شملته حيث دعاك ولم يقنط من رحمتك, فلتشملني وأنا أدعوك وأرجو إجابتك».

وإذا دخلت من هذا الباب لا يقنّطك ربّك, وهو عند حسن ظنّ عبده به, كيف وهو الذي أنزل في كتابه: {وإذا سَأَلكَ عبادي عنّي فإنّي قريبٌ أُجيبُ دعوةُ الداعِ إذا دعانِ فليستجيبوا لي وليُؤمنوا بي لعلّهم يَرشدون} (البقرة: 186) {واسألوا الله من فضله} (النساء: 32) {إنّ الله كانَ بكم رَحيماً} (النساء: 29).
وإذا رغب الله جلّ جلاله في عطوفته عليك, يقبل عليك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقبول والاجابة, والعطف والرحمة, ويضمّك إلى كنف رأفته وحنانه, ويكون عليك كالأب العطوف, والأمّ الرؤوف, يلبّيك بالجواب, ويجيبك عن الخطاب, فتظفر بالمراد وفوق المراد, وتفلح أبد الآباد.
وإذا راقبت هذه الخصال وأتيت بهذه الأحوال, وتمثّلت بين يديه للزيارة وعلمت إقباله عليك, فلك أن تناجيه بلطيف مناجاتك, وتبثّ في حضرته حوائجك وتشكو لديه ما نالك من هجره وفراقه, وما بلغ به الحال من مصائب ذرّيّته, غصب حقوقهم, وتأمّر المنافقين عليهم, وما نالهم من القتل والأسر والهوان, وما بدّل بعده من الأحكام, وغيّر من شرائع الإسلام, وتشتكي عنده من سوء حالك وشدّة بلواك.
وتذاكر ما كان عليه من حسن الحال أصحابه, والمقتبسين من أنواره, المستمتعين بوعظه وبرهانه وبركات زمانه ؛ وما فازوا به من العيش في ظلال عطوفته ونالوا به من فضله وكرامته.
وقل: «يا رسول صلى الله عليه وآله وسلم كنت زمن حياتك في الدنيا علماً للدين, ومناراً للهدى, حلالاً للمشكلات, ومبيّناً للمعضلات, مخبراً عن الله وصفاته ورضاه, يرجع إليك من استشكل عليه الأمور في الدين والدنيا, فتكشف عنهم ظلم الأستار, وتهديهم إلى جلائل الأنوار, وكنت كهفاً للأرامل, وأباً للأيتام, وكنزاً للفقراء والمساكين, ملاذاً لذوي الضرّ والحاجات, وكان التقوى بك سهلاً لأهل الدين والسير إلى الله منهلاً عذباً للسالكين».
«وقد خلّفت في الأمّة من يقوم مقامك لهذه الخصال, وقد كان بعدك ما قد كان, حتّى آل الأمر إلى غصب الخلافة, وقتل الذرّية, واختفاء الخليفة, وغيبة البقيّة, وضلال الأمّة, وابتلاء المسلمين بالمشكلات, وتحيّرهم في المعضلات وبقيت الأرامل في البلوى بلا كهف, والأيتام بلا أب, والفقراء بلا شيء, وذوي الحاجات بلا ملاذ, وعسر التقوى في الدين, وصعب الطريق إلى الله من تغلّب المتأمّرين على المسلمين, وبقينا بعدك في تيه الضلال, بلا نور ولا هداية, وكثر الظلم, وانتشر الجور, وطوي بساط العدل, وضعفت أعلام الدين, وانطمست آثار الإسلام, وتفرّقت كلمة المسلمين, واختلفت أهواؤهم, وذهلت العقول, اندرست العلوم, ولم يبق شيء إلى عود الجاهليّة الأولى».
«يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لولا ما يلوح لنا من أثرات انوار الولاية, من تحت سحائب العماية, ويظهر من بركات أنوار شمس الخلافة, من غيب أستار الضلالة والغواية, لم يبق من الإسلام اسم, ومن الايمان رسم, عاد الإسلام كفراً, والعقل جهلاً, والوصل هجراً, عبدت الأصنام والأحجار, وصار المسلمون كفّاراً, وقد صرنا بفقدك وغيبة خليفتك كأيتام بلا أولياء, وأُسراءٍ بلا خفراء, ورعيّة بلا حماة, أغنام غاب عنها الرعاة, فارحمنا وترحّم علينا يا رحمة للعالمين».

«ومر سبطك الإمام, وخليفتك على الأنام, بالظهور وسطوع النور, في طخياء الديجور, لحماية الإسلام, وإحياء القرآن, وإحكام الإيمان, وتقوية الأحلام ونشر العدل, وطيّ الجور, وحفظ دماء المؤمنين, وأعراض المسلمين, وتربية العالمين».
«وارغب إلى ربّ العباد والبلاد, في إنجاز الميعاد, ونصر العباد, وقد ظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت أيدي الناس, نشكو إليك ـ ولا مشتكى سواك ـ فقد إمامنا, وغيبة سيّدنا, وشدّة الفتن بنا, وتظاهر الزمان علينا, وكثرة الأعداء, وشوكة الكفار, وغلبة الفجّار, والطغاة الأشرار, وقد عظم البلاء, وبرح الخفاء وضاقت الأرض والسماء».
وبالجملة تناجيه صلى الله عليه وآله وتبثُّ لديه أشواقك إلى زمن حضوره وإشراق نوره, وتشتكي إليه من هجره وممّا نالك من البلايا العامّة والخاصّة, ثمّ تقرّ عنده بإسرافك على نفسك, وتقصيرك في عبادة ربّك, وتسأله أن يستغفر لك الله, وأن يعالج داءك بدوائه, ويكمّل عقلك, ويتمّ نورك بدعائه, ويلحقك بأوليائه, ويقبلك لجواره, فإنّه أكرم الخلائق لا يردّ وافده وزائره وضيفه إلا بقضاء حوائجه ومزيد فضله.
واعلم يقيناً أنّه صلى الله عليه وآله وسلم رحمة الله للعالمين, فإن حرمت من فيضه الأقدس, ومن نوره الأزهر, فذلك لمانع من جهتك, ولا يمنع من ذلك الذنوب ـ وإن كثرت ـ حتّى يوجد خلل من جهة الإيمان, فجدّد إيمانك, واستعذ بالله من الكفر والشرك الجليّ.
ولكن قد تكون ظلمة المعاصي مانعة من درك فيوضات زيارته الشاملة لك وتعمى من مشاهدة أنواره الواصلة إليك, فإن كان لك قلب وفطنة, لا بدّ من درك ذلك, والعلم ببعض آثاره لا محالة, فإنّ شفقته صلى الله عليه وآله وسلم لأمّته المؤمنين الموالين لعترته معلومة وإن كانوا عصاة, كيف وشفاعته للعصاة, وللزائر الوافد المسلّم عليه المناجي معه, والمشتكي استكانته لديه, حقوق زائدة لا تضيع لديه, يعرف ذلك كلّ من أُخبر عن أخلاقه الكريمة في حال حياته, ومعاملته مع عموم المسلمين, وخصوص الوافدين, والرافعين إليه حوائجهم, وحال وفاته أولى بذلك من حال الحياة لزيادة القرب من منبع الفيض والنور, وهل يظنّ أحد من أمّته أن يقصده مسلم مؤمن من مسافة بعيدة, ويأتيه من شقّة بعيدة, شوقاً إلى زيارته, وراجياً قبوله ونواله, متقرّباً إلى الله جلّ جلاله بولايته وولاية عترته, رجع خائباً من نواله, ومحروماً من جوده وكرمه, ولا يظنّ ذلك لأعراب البوادي, كيف لأكرم الخلائق كلّهم, ومظهر رحمة الله, والمتخلّق بأخلاق الله.

وكيف كان يجب على زوّاره ـ صلوات الله عليه وآله ـ أن يظنّوا بفضله وكرمه وإفاضته كلّ الظنّ, ويستمدّوا من فيض زيارته, وأنوار إقباله, ويستضيئوا من إشراق إقبال وجهه, فإنّه يضيء كلّ ظلمة, ويفيض لكلّ الخليقة, ويكفي للعالمين لأنّه نور الله الأنور, وضياؤه الأزهر, وفيضه الأقدس.
وأطل الوقوف بحضرته, ولا تملّ منه لأنّ العاقل لا يملّ من الانتفاع, وزُر في ضريحه المقدّس قبر سيّدة النساء عليهم السلام, واعمل في زيارتها مثل ما مرّ في زيارته, إنّها بضعة منه كريمته وحبيبته.
واقصد بعد زيارتهما زيارة أئمّة البقيع نحو ما قصدت زيارته, وزُرهم كما مضى في زيارته, فإنّهم بمنزلة نفسه, من أطاعهم فقد أطاعه, ومن أحبّهم فقد أحبّه, من خضع لهم فقد خضع له, لا فرق بينهم وبينه, فانّهم خلفاؤه وذرّيته وكلّهم نور واحد.
وجدّ حتّى لا ترجع من حضرته إلا بعد ظهور آثار الإذن, كما دخلت بعد ظهور آثاره, وإذا أردت الانصراف فارجع القهقرى قليلاً ثمّ ارجع إلى مكانك وسلّم عليه, وقف قليلاً, وكرّر ذلك, وإذا خرجت من الحرم قبّل العتبة.
وليكن الراجع بدنك وأنت مع قلبك وروحك وفكرك مقيم على حضرته وغير مفارق خدمته, وكلّما انتهيت إلى آخر السكك, وأردت أن تدخل سكّة أخرى فارجع إما وراءك, وأشر إلى حضرته بالسلام حتّى تدخل منزلك.
واستقص أيّام وقوفك بالمدينة المشرّفة زيارة المواضع الشريفة التي روي وقوفه بها ودخولها عليها, ومشاهد أهل بيته.
وإذا كان أوان وداعك, حصّل في قلبك وروحك وعقلك وكلّك حالاً يصلح لوداعه, ولتكن في وداعك قبره كمن يودّع روحه وحياته, وأنشئ لوداعه دعاءً وسلاماً مستوحى ممّا أنشأ السجاد عليه السلام في وداع شهر رمضان, فإنّ حقوق شهر رمضان وإن عظمت، ولكنّها قليلة عند حقوقه صلى الله عليه وآله وسلم, بل هي أيضاً جزء من أجزاء حقوقه الكثيرة الواجبة.
وودّع سيّدة النساء وأئمّة البقيع عليهم السلام كما تودّعه, وودّع المدينة المشرّفة وهكذا تزور كلّ واحد من الأئمّة, وتناجي كلّ واحد منهم بما يناسبه.] انتهى

* تمّ نقل هذا البحث الكريم من كتاب المراقبات لآية الحقّ والعرفان جواد الملكي التبريزي رضوان الله عليه, من صفحة 258 إلى 269.

عودة إلى القائمة