22 ربيع الأول 1441 هـ.ق. - الأربعاء 20 تشرين الثاني 2019 م.

الرئيسية > دراسات > العقائد والكلام > تبرئة الإمام الحسين من الاعتراض على أخيه الإمام المجتبى عليهما السلام


تبرئة الإمام الحسين من الاعتراض على أخيه الإمام الحسن المجتبى عليهما السلام

 

عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال:

(ما تكلّم الحسينُ بينَ يدي الحسن إعظاماً له، ولا تكلّم محمّد ابنُ الحنفيّة بين يدي الحسين عليه السلام إعظاماً له)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وجّهت في الآونة الأخيرة عدّة اتهامات وتشكيكات بالإمامة طالت إحداها تهمة سيّد الشهداء الحسين أنّه اعترض على أخيه الإمام الحسن المجتبى سلام الله عليهما, وكأنّ المعترض قد غفل عن أنّ الاعتراض على المعصوم يخرج الإنسان من الإيمان! بداهة أنّ شرط الإيمان أن يسلّم الإنسان للمعصوم, ولا يسبقه بالقول, ولا يعترض عليه, حيث يقول عزّ من قائل: {فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في‏ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْليماً}, لذلك عمدت الهيئة العلمية في موقع رحاب الوحي إلى شرح المسألة ببيان تحقيقيّ تحليلي مستدل, لا يدع لذي مقال مقالاً ولا لذي إشكال إشكالاً.

وقبل البدئ يجدر بنا أن نلفت نظر القارئ إلى أمر هام, هو أنّ أسلوب الإمامين الحسن والحسين سلام الله عليهما منذ طفولتهما كان قائماً على التعاون والتنسيق بشكل عجيب, حيث كانا سلام الله عليهما يتعاونان على بيان الحقّ بشكل عجيب, فيشتركان في الإصلاح والأمر بالمعروف, فكلّ منهما يأخذ دوره بشكل يوحي للطرف الآخر وكأنّ أحدهما يعلّم الآخر, لذلك يروي التاريخ لنا أنّ الإمام الحسين حينما كان صغيراً, رأى رجلاً شيخاً كبيراً لا يعرف الطهارة والوضوء, فأراد هو وأخوه الحسن سلام الله عليهما أن يعلما هذا الشيخ, ولكن كانا يخافان أن يتأذّى هذا الشيخ ويشعر بالعيب والعار جراء جهله بالوضوء لأعوام مديدة, فتظاهر الإمام الحسين عليه السلام بعدم معرفته الوضوء, فجاء الإمام الحسن أرواحنا فداه متظاهراً أيضاً بتعليم أخيه الصغير الوضوء أمام الشيخ الكبير, فالتفت الشيخ إلى خطئه وعرف موضع الخلل في وضوئه.. وحياتهما تشهد بذلك في العديد من المواقف سلام الله عليهما, فهما رحمة للعالمين, يتقاسمان دور التعليم والتزكية والتربية, ويأخذان بيد الأمّة والمؤمنين لاستيعاب واجتياز أدقّ وأصعب الابتلاءات التي تواجه المجتمع.

فالمتتبع لهما يجدهما سلام الله عليهما روحاً واحدة في جسدين, جسدان يقومان بأدوار مختلفة ذات هدف واحد ونتيجة واحدة ومقصد واحد وحكمة واحدة, ولو نتأمّل في موقف الإمام الحسين عليه السلام من صلح أخيه الحسن مع معاوية, نجده غير خارج عن هذه القاعدة. ومع كامل الأسف, أصبحنا نشاهد قمّة التشدّد في الولي الإلهيّ رضوان الله عليه ـ وهو غير معصوم ـ بينما نشهد استخفافاً وتساهلاً بحقّ المعصوم عليه السلام ـ وهو المعصوم! ـ , فيوم نتهمه بأنّه يعترض على حكم الله تعالى, ويوم نصفه بأنّه لا يعادل فلسين, وآخر نصرّح بإمكانيّة التخيير بين الولي وبين صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف, ورابعة ننسب للمعصوم ما لا يليق بمؤمن عادي فضلاً عن أهل الورع والتقوى والتثبّت.. ولا ندري ما الذي ينتظرنا بعد...

هذا ولأهميّة هذا البحث, ولخطورة ما نشهده من إرسال تهمة المعصوم بالاعتراض على المعصوم!! سوف نجمع للقارئ عين عبائر الكتب التاريخيّة التي سردت قصّة الإمام الحسين مع أخيه الإمام الحسن عليهما السلام اتجاه الصلح مع معاوية, ليتضّح للقارئ أنّ ما كان يحدث لم يكن اعتراضاً, بل كان تناغماً وتنسيقاً وتفهّماً وحواراً بين إمامين يَفْهَم كلّ منهما الآخر, تنسيق وانسجام تام يراد منه إقناع الأمّة التي لم تكن لتفهم عمق الإمامة والولاية, فقد بلغ حدّ التطاول على الإمام الحسن أن ضرب بخنجر في فخذه المبارك, وأصبح خلّص شيعته والمقربون إليه ينادونه بـ السلام عليك يا مذلّ المؤمنين!! وكان بعضهم يريد أن يسلّمه إلى معاوية حياً ليقوم بإطلاق سراحه بعد ذلك, ليصبح طليق المؤمنين, لتكون عوضاً عن العار الذي ركب بني أميّة يوم فتح مكّة حينما أسماهم الرسول بالطلقاء...

نعم هذه هي ظروف إمامة الإمام المجتبى, وما كان من الإمام الحسين عليه السلام إلا أن يقوم بموقف وسطيّ ليقنعهم, فكان سلام الله عليه يتكلّم بلسانهم, وكأنّه ينقل أفكارهم, وكأنّه يقول لهم: أنا أشعر بما تشعرون به, ولكنّ طاعة أخي المجتبى هي خير الدنيا والآخرة..

ولو تصورنا المشهد فيما لو صالح الإمام الحسين عليه السلام ولم يأخذ هذا الدور لكان كلا الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام في نفس مرمى الاتهام والخطر فمن يتهم إمام زمانه المعصوم ويسعى لقتله ونهبه يتهم بطريق أولى أخيه الإمام ، فاعتراضهم كان لعدم تحملهم للصلح، ولهذا السبب اتهموا الامام الحسن عليه السلام, ولو صالح الإمام الحسين لكان اتهم أيضا، فمن يقنع الناس ويخرجهم من ظلمة جهلهم عندئذٍ ومن يمسك بيدهم ويعيدهم إلى إمام زمانهم، فكان لا بد لأحدهما أن يكون تصرفه غير موجب لاعتراض الناس, كي يتمكن من إعادة الأمور إلى نصابها، وهو ما قام به الإمام الحسين عليه السلام بل لم يكن سواه قادراً على فعل ذلك، فمع كونه لم يبايع ـ ممّا يفهمهم بأنّي أفهم اللوعة التي تحذرونهاـ إلا أنّها كان يأمر الجميع بالمبايعة وبإطاعة الإمام الحسن, وأما تبرير عدم بيعته فإنّما كان أمر الإمام الحسن له واستثنائه من البيعة, فلم نجد دليلا واحدا يلمّح إلى أنّ الإمام الحسن قد أمر أخاه الإمام الحسين أن يبايع, ولم يلزمه بالبيع, بل الأدلّة تدلّ على العكس من ذلك, تدلّ على أنّ الإمام الحسن عليه السلام كان يدافع عن عدم بيعة أخيه سلام الله عليهما, فكان الإمامان الحسن والحسين سلام الله عليهما كشخص واحد يقوم بدورين فكلاهما يرشحان من نبع واحد .

والمتتبّع لحقيقة الموقف يعلم ـ ويجزم ويقطع ويتيقن ـ بأنّ الإمام الحسين عليه السلام لم يخطر على باله الاعتراض أصلاً, وأنّ جميع ما كان يقوم به إنّما هو على قاعدة: {ولَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُوني‏ وأَطيعُوا أَمْري} فلم يكن نبيّ الله هارون ليعترض على موسى, بل كان كلّ همّه إقناع بني إسرائيل بوجوب طاعة موسى, وكذلك كان الإمام الحسين أروحنا فداه, ولم يكن الإمام الحسين عليه السلام ليخالف أخيه طرفة عين أبداً, بل الحقيقة أنّ فضل إقناع الأمّة آنذاك إنّما كان يرجع إلى سيّد الشهداء عليه السلام كما سيتّضح جلياً أثناء تعرضّنا للنصوص التاريخيّة.

وسيظهر لنا أنّ من يعجز عن فهم ذلك فهو عن فهم قوله تعالى: {وتخشى الناس والله أحقّ أن تخشاه} أعجزُ!! كذلك من يقصر عن درك حقيقة موقف الإمام الحسين الحساس اتجاه أخيه الحسن المجتبى فهو أشدّ قصوراً عن فهم حقيقة قوله تعالى: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته}حيث فسّرها العامّة بتردّد النبي وجهله وخوفه, بينما فسّرها الإماميّة بأنّ خوفه إنّما كان من عدم إيمانهم لا لنقص في إيمانه هو!!

النصوص التاريخيّة

بناء على ما مرّ سوف نتعرّض للنصوص التاريخيّة التي سردت مجريات ما حدث زمن المعاهدة مع معاوية, فنقول:

قد ورد في موسوعة كلمات الإمام الحسين ص 245 ما يلي:

أنّه أرسل الحسن عليه السلام إلى وجه أصحابه فدعاهم, ثم قاليا أهل العراق! ما أصنع بجماعتكم معي, وهذا كتاب قيس بن سعد يخبرني بأن أهل الشرف منكم قد صاروا إلى معاوية, أما والله! ما هذا بمنكر منكم ؛ لأنكم أنتم الذين أكرهتم أبي يوم صفين على الحكمين, فلما أمضى الحكومة وقبل منكم اختلفتم, ثم دعاكم إلى قتال معاوية ثانية فتوانيتم, ثم صار إلى ما صار إليه من كرامة الله إياه, ثم إنكم بايعتموني طائعين غير مكرهين, فأخذت بيعتكم وخرجت في وجهي هذا, والله يعلم ما نويت فيه, فكان منكم إلى ما كان, يا أهل العراق! فحسبي منكم لا تغروني في ديني فإني مسلم هذا الأمر إلى معاوية. قال: فقال له أخوه الحسين: يا أخي! أعيذك بالله من هذا! فقال الحسن: والله! لأفعلنّ ولأسلّمنّ هذا الأمر إلى معاوية

وفي رواية: قال الحسين عليه السلامنشدتك الله أن تصدق أحدوثة معاوية, وتكذب أحدوثة علي عليه السلام.

وعن ابن عساكر: أنبأنا عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي, أنبأنا حاتم بن أبي صغيرة, عن عمرو بن دينار: أن معاوية كان يعلم أن الحسن عليه السلام كان أكره الناس للفتنة, فلما توفي علي بعث إلى الحسن عليه السلام فأصلح الذي بينه وبينه سرا، وأعطاه معاوية عهدا إن حدث به حدث والحسن حي ليسمينه وليجعلن هذا الأمر إليه. فلما توثق منه الحسن قال ابن جعفر: والله! إني لجالس عند الحسن إذ أخذت لأقوم فجذب ثوبي, وقال: يا هناه! اجلس, فجلست فقالإني رأيت رأيا وإني أحب أن تتابعني عليه . قال: قلت: وما هو ؟ قال: قد رأيت أن أعمد إلى المدينة فأنزلها وأخلي بين معاوية وبين هذا الحديث, فقد طالت الفتنة, وسفكت فيها الدماء, وقطعت فيها الأرحام, وقطعت السبل, وعطلت الفروج يعني الثغور . فقال ابن جعفر: جزاك الله عن أمة محمد صلى الله عليه وآله خيرا فأنا معك على هذا الحديث . فقال الحسن عليه السلام: ادع لي الحسين . فبعث إلى حسين عليه السلام فأتاه, فقال: أي أخي! إني قد رأيت رأيا وإني أحب أن تتابعني عليه . قال: ما هو ؟ قال: فقص عليه الذي قال لابن جعفر . قال الحسين عليه السلام: أعيذك بالله أن تكذب عليا في قبره, وتصدق معاوية . فقال الحسن عليه السلام: والله! ما أردت أمرا قط إلا خالفتني إلى غيره, والله! لقد هممت أن أقذفك في بيت فأطينه عليك حتى أقضي أمري . قال: فلما رأى الحسين عليه السلام غضبه قال: أنت أكبر ولد علي, وأنت خليفته, وأمرنا لأمرك تبع فافعل ما بدا لك فقام الحسن عليه السلام فقال: يا أيها الناس! إني كنت أكره الناس لأول هذا الحديث, وأنا أصلحت آخره لذي حق أديت إليه حقه أحق به مني, أو حق جدت به لصلاح أمة محمد صلى الله عليه وآله وإن الله قد ولاك يا معاوية! هذا الحديث لخير يعلمه عندك, أو لشر يعلمه فيك {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} ثم نزل .

نستنتج ممّا مرّ أنّ الإمام الحسن عليه السلام كان كارهاً لما وقع, فعبارته عين عبارة الإمام الحسين عليهما السلام, فتعبير الإمام المجتبى كان بما يلي:إني كنت أكره الناس لأول هذا الحديث.

وتعبير الإمام الحسين كان بما يليأعيذك بالله أن تكذب عليا في قبره, وتصدق معاوية وهي عبارة استعاذة ودعاء ورأفة على أخيه, وليست اعتراضاً, فهي تحمل معاني التخوّف والحذر, فالإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام كانا يشعران بنفس الهاجس في أنفسهما. فكلام الإمام الحسن يشتمل على شقّين:

الأولأنّه كان يستشير ويبلغ ويُعلم الإمام الحسين ويخبره.

الثانيأنّه كان يتظاهر بإلزامه بالتنفيذ وبضرورة الانصياع الكامل له وأنّه لا مندوحة أمامه أبداً.

لذلك كان جواب الإمام الحسين عليه السلام ـ حين الاستشارة وقبل الإلزام ـ أن ينقل للإمام الحسن صورة تفكير الشيعة آنذاك, فكان الإمام يشاوره وكان يقوم بوظيفته من نقل وجهة نظر الطرف الآخر, وكان يعيذه من المخالفة لما يروه من تهجّم رهيب على مقام الإمامة, فكان صادقاً في تحليله وناقلاً للواقع بشكل دقيق, واسترساله في ذلك إنّما كان بإذن من الإمام الحسن عليه السلام.

ولكن حينما أمره الإمام الحسن عليه السلام بالتبعيّة والالتزام, فماذا كان جواب سيّد الشهداء؟ كان متفانياً في التسليم ولم يعترض بعد ذلك بل قالأنت أكبر ولد علي, وأنت خليفته, وأمرنا لأمرك تبع فافعل ما بدا لك.

ولو كان سيّد الشهداء من أهل الاعتراض لما كان ليقبل بهذه السرعة!! ولكان أوضح للإمام الحسن غايه السلام وجهة نظره ودافع عنها طالما أنه يرى أحقّيّة رأيه ـ على مدّعى الاعتراض ـ فتنبّه وتدبّر يا أخي ولا تذهبنّ بك المذاهب. بل المتتبّع الخبير يفهم أنّ الإمام الحسين عليه السلام إنّما كان في أعلى مراتب التسليم والطاعة والتبعيّة, وكانت نفسه طائعة تابعة متنافسة في التبعيّة لإمام زمانها وحجّة الله على خلقه, ونفهم أنّ جميع ذلك إنّما هو على لغة: إياك أعني واسمعي يا جارة, ونعرف أنّ سيّد الشهداء من خلال هذه المواقف والأخذ والردّ مع أخيه المجتبى إنّما كان يطفئ لظى الشكاكين من الشيعة الذين كانت تستعر نار التطاول على الإمام وتهمته بأنّه مذلّ المؤمنين, فانتحل شخصيّتهم وأغلق عليهم طريق المجابهة, وعلمهم كيفيّة التراجع والعودة والأوبة والإنابة والاستمساك بالعروة الوثقى والاعتصام بحبل الله المتين, وكأنّه يقول له: أنا أفهم بما تشعرون وأعلم بما تضمره قلوبكم: فأنا أفهم حرصكم على كرامة أمير المؤمنين وضرورة عدم تصديق معاوية, وأنا أفهم منطقكم جيداً, ولكن طاعة الإمام أوجب وأهم, لذلك قال لأخيه الحسن عليه السلامأنت أكبر ولد علي, وأنت خليفته, وأمرنا لأمرك تبع فافعل ما بدا لك

وهذا الإقرار من الإمام الحسين ـ بأنّ أمرنا لأمرك تبع وأنت خليفتناـ لا يتناسب مع الاعتراض بل لا بدّ من توجيهه بما ذكرنا، وإلا للزم أن يكون الإمام الحسين عليه السلام مخالفاً لنفسه ولبياناته التي صرّح هو بها.

وقد ورد عن البلاذري ما يلي: حدثنا خلف بن سالم, حدثنا وهب بن جرير, قال: قال أبي - وأحسبه رواه عن الحسن البصري - قال: لما بلغ أهل الكوفة بيعة الحسن أطاعوه وأحبوه أشد من حبهم لأبيه, واجتمع له خمسون ألفا, فخرج بهم حتى أتى المدائن, وسرح بين يديه قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري في عشرين ألفا، فنزل بمسكن، وأقبل معاوية من الشام في جيشثم إنّ الحسن عليه السلام خلا بأخيه الحسين عليه السلام فقال له: يا هذا! إني نظرت في أمري فوجدتني لا أصل إلى الأمر حتى يقتل من أهل العراق والشام من لا أحب أن أحتمل دمه, وقد رأيت أن أسلم الأمر إلى معاوية فأشاركه في إحسانه ويكون عليه إساءته. فقال الحسين عليه السلام: أنشدك الله أن تكون أول من عاب أباك وطعن عليه, ورغب عن أمره. فقال: إني لأرى [لا أرى] ما تقول, ووالله! لئن لم تتابعني لأسندتك في الحديد, فلا تزال فيه حتى أفرغ من أمري . قال: فشأنك فقام الحسن عليه السلام خطيبا فذكر رأيه في الصلح والسلم لما كره من سفك الدماء, وإقامة الحرب, فوثب عليه أهل الكوفة وانتهبوا ماله, وحرقوا سرادقه, وشتموه وعجزوه, ثم انصرفوا عنه ولحقوا بالكوفة!

فهذه الرواية تدلّ على أعلى مراتب الردع ولكن ليس للإمام الحسين عليه السلام, وإنّما ذلك بلسان قومه الذين كانوا يصرّون على المخالفة, فكان الإمام الحسن يريد إفهامهم بأنّ الأمر ممّا لا يحتمل التأجيل أو التنازل, وأنّ من لم يطع أمر الإمام ويلتزم بحكمته فإنّه يستحقّ أن يرغم على الصلح ويسند بالحديد كي يوقع على الصلح.. فالمسألة ليست اختيارية بل هي فرض من مقام الإمامة والولاية الإلهية, فالإمام الحسين عليه السلام كان يأخذ سيناريو المعارضة بلسان القوم, والإمام الحسن يبيّن الموقع الإلهيّ بواسطة إمامته, والمتتبع لدقائق سياسة أهل البيت عليهم السلام يجد أنّهم كانوا يتقاسمون الأدوار فيما بينهم, فلا نظنّن أنّ المعصوم أقلّ تنسيقاً من غيره مع الآخرين, وخاصّة مع أخيه الإمام الحسين عليه السلام, فكما أنّ العلماء والساسة والقادة تُحكمُ خططها وتنظّم ردود فعل الرعيّة وتعمل على الاستفادة من العنصر الإعلامي الذي يؤثّر على هداية البشريّة, فإنّه من مهام المعصوم عليه السلام أن ينسّق ذلك, ويعمل على العنصر العقلاني والمنطقي داخل الدائرة الاجتماعيّة, كلّ ذلك مقدّمة لإقناعهم وإفهامهم دقائق الأمور, فالمتتبع يجزم بوجود تنسيق خاصّ بين الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام, تماماً كالتنسيق الذي كان بين نبيّ الله يوسف وأخيه بنيامين, أو بين العزيز.

لذلك ينقل ابن شهر آشوبأنّه دخل الحسين عليه السلام على أخيه باكيا ثم خرج ضاحكا, فقال له مواليه: ما هذا ؟! قال: أتعجب من دخولي على إمام أريد أن أعلمه, فقلت: ماذا دعاك إلى تسليم الخلافة ؟ فقال: الذي دعا أباك فيما تقدم . قال: فطلب معاوية البيعة من الحسين, فقال الحسن عليه السلام: يا معاوية! لا تكرهه فإنه لن يبايع أبدا, أو يقتل, ولن يقتل حتى يقتل أهل بيته, ولن يقتل أهل بيته حتى يقتل أهل الشام .

أولاإنّ دخول الحسين وخروجه يشبه السيناريو المنسّق والمحكم لإقناع الآخرين بضرورة طاعة أخيه الحسن سلام الله عليه, فلا ننسى أنّ ظروف الجهل والتجرؤ على مقام الإمام التي كانت حاكمة آنذاك قد بلغت حدّ اتهام الإمام بأنّه مذلّ المؤمنين, حتّى قام بعضهم بطعن الإمام المجتبى بفخذه المبارك قاصداً قتله! متهماً إياه بالخيانة والتخاذل.. والحقيقة أنّ الظروف لم تكن سهلة أبداً, ولولا حكمة الإمامين الحسن والحسين لأمكن أن تثور الأمّة عليهما ويقوم أصحابهما بتسليمهما حيّين لمعاوية!! وهو ما كان يفكّر به بشكل جاد بعض الخونة آنذاك بالنسبة للإمام المجتبى...

لذلك نجد الإمام الحسين عليه السلام يقوم بعمليّة هداية وتوعية وتنبيه حساس, فيريد أن يقول لهم: الإمام الحسن هو إمام, وهو المراد من قوله:أتعجب من دخولي على إمام أريد أن أعلمه؟

ثانياًقام بتبسيط الدليل وتقديم البرهان لهم, بأنّ الذي دعا الحسن المجتبى إلى تسليم الخلافة لمعاوية, هو بعينه الأمر الذي دعا أمير المؤمنين عليه السلام أن يسلّم الخلافة للأوّل والثاني والثالث, فالظروف هي بعينها تتكرّر, وهي التي تفرض على الإمام أن يسالم ما سلمت أمور المسلمين.

ثالثاًإنّ أهمّ دليل ساطع على أنّ الإمام الحسين عليه السلام كان يعمل تحت راية وأمر الإمام الحسن سلام الله عليهما هو دفاع الإمام المجتبى عن أخيه سيّد الشهداء حيث قال الإمام الحسن عليه السلاميا معاوية! لا تكرهه فإنه لن يبايع أبدا, أو يقتل, ولن يقتل حتى يقتل أهل بيته, ولن يقتل أهل بيته حتى يقتل أهل الشام فقد بيّن الإمام المجتبى أنّ امتناع أخي عن بيعتك إنّما هو بعلم الإمام وبإمضاء الإمام, وأنّ مواقفنا متناسقة مترابطة متداخلة منسجمة أشدّ الانسجام. فإن تطاولت يا معاوية عن الحدّ الذي نرسمه لك, وأردت أنْ تأخذ بيعة أخي الحسين مع امتناعه القطعي لها, فهذا سوف يؤول إلى أن نواجهك ونقاتلك ونقتل جميعنا ـ بما فيهم الإمام الحسن نفسه!! ـ وهو ما لن يحدث قبل زوال أهل الشام عن بكرة أبيهم!! فحذّر الإمام الحسن معاوية من مغبّة التطاول على حدود ما يقرّره الإمام المعصوم, ولا يخفى أنّ معاوية قد وعى ما أشار إليه الإمام المجتبى, فمعاوية مع جحوده بالإمامة إلا أنّه يعلم حقانيّتها ويفهم خطرها{وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدينَ} لذلك لم يعد يلاحق سيّد الشهداء ليطالبه البيعة, ومن ذلك نعلم أنّ الإمامين الحسن والحسين إنّما كانا متقاسمان للأدوار بشكل دقيق وحساس جداً. فسيّد الشهداء أخذ دور الإقناع للأمّة الجهلاء, وامتنع عن بيعة معاوية إرضاء لرغبتهم في المواجهة, وبذلك أثبت لهم أنّ أهل البيت مستعدون للمواجهة غاية الأمر أنّ الأمة هي التي نكثت عن بيعة الإمام الحسن المجتبى, ومن ناحية ثانية قام الإمام المجتبى بفضح معاوية ومخطّطاته عبر عرض معاهدة الصلح عليه وإمضائها ممّا أدى إلى كشف زيف المشروع الأموي الماكر بأسرع الطرق, ولذلك كان الإمام الحسين يدافع عن عدم توقيع وإمضاء سيّد الشهداء للصلح, ليعلن للجميع أنّ أهل بيت العصمة عليهم السلام عالمون علم اليقين بكذب معاوية, والدليل هو عدم إمضاء أخي الحسين للمعاهدة التي أمضيتها أنا.. فالحسين باطني وأنا ظاهره, وأنا باطن الحسين وهو ظاهري, وكلاهما إمامان قاما أو قعدا سلام الله وصلواته عليهما وآلهما.

وقد ورد في موسوعة الإمام الحسين عليه السلام صفحة250 – 251:

لمّا وقع ذلك الصلح دخل جندب بن عبد الله الأزدي, والمسيب بن نجبة الفزاري, وسليمان بن صرد الخزاعي, وسعيد بن عبد الله الحنفي على الحسين عليه السلام وهو قائم في قصر الكوفة يأمر غلمته بحمل المتاع ويستحثهم، فسلموا عليه, فلما رأى ما بهم من الكآبة وسوء الهيئة, تكلم فقال: إنّ أمر الله كان قدراً مقدوراً, إنّ أمر الله كان مفعولا. وذكر كراهيّته لذلك الصلح، وقال: لكنت طيب النفس بالموت دونه! ولكن أخي عزم علي وناشدني فأطعته, وكأنما يحز أنفي بالمواسي ويشرح قلبي بالمدى!! وقد قال الله عز وجل {فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً} وقال{وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} فقال له جندب: والله! ما بنا إلا أن تضاموا وتنتقصوا, فأما نحن فإنا نعلم أن القوم سيطلبون مودتنا بكل ما قدروا عليه, ولكن حاش لله أن نوازر الظالمين، ونظاهر المجرمين ونحن لكم شيعة ولهم عدو!!! وقال سليمان بن صرد الخزاعي: إن هذا الكلام الذي كلمك به جندب هو الذي أردنا أن نكلمك به كلنا . فقال: رحمكم الله! صدقتم وبررتم . وعرض له سليمان بن صرد, وسعيد بن عبد الله الحنفي بالرجوع عن الصلح!! فقال: هذا ما لا يكون ولا يصلح . قالوا: فمتى أنت سائر ؟ قال: غدا إن شاء اللهفلما سار خرجوا معه، فلما جاوزوا دير هند, نظر الحسين عليه السلام إلى الكوفة فتمثل قول زميل بن أبير الفزاري وهو ابن أم دينار:

فما عن قلى فارقت دار معاشر * هم المانعون باحتي وذماري

ولكنه ما حم لا بد واقع * نظار ترقب ما يحم نظار

ولا ندري ما إنْ كان هناك أعظم من تسليم الإمام الحسين عليه السلام لأخيه الإمام الحسن سلام الله عليه, فمع وضوح أنّه كان يجاري أصحاب أخيه الإمام الحسن عليه السلام ـ جندب بن عبد الله الأزدي، والمسيب بن نجبة الفزاري, وسليمان بن صرد الخزاعي, وسعيد بن عبد الله الحنفي ـ فيحاول أن يبدي لهم أنّه متألم لتألمّهم, وأنّه سلام الله عليه يشعر بالأسى الذي ألمّ بهم, فقال لهم: (لكنت طيب النفس بالموت دونه!.. وكأنما يحز أنفي بالمواسي ويشرح قلبي بالمدى!!), وبذلك أفهمهم أنّه يشعر بالذي يشعرون ويدرك ما يدركون, ولكن شرع بتعليمهم كيفيّة التعامل السلوكي مع الإمام الحجّة على العباد فقال لهم: (إنّ أمر الله كان قدراً مقدوراً, إنّ أمر الله كان مفعولا... وقد قال الله عز وجل {فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً} وقال {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}) ثمّ قال لهمولكن أخي عزم علي وناشدني فأطعته

من ذلك كلّه نجزم بأنّ موقف الإمام الحسين عليه السلام كان صعباً وحرجاً وحساساً جداً جداً, فكان الوسيلة ـ الوحيدة!!!ـ التي اعتمد عليها الإمام الحسن لإقناع أصحابه بقبول الصلح مع معاوية..

ولا ندري بأيّ ذنب وبأيّة جريرة ننسب للمعصوم الاعتراض على إمام زمانه؟!! وسوف يسألنا الله عن جميع هذه الاتهامات الباطلة بحقّ المعصوم سلام الله عليه.

هذا وينقل البلاذري فيقول: قالوا: ولما بايع الحسن عليه السلام معاوية ومضى, تلاقت الشيعة بإظهار الحسرة والندم على ترك القتال والإذعان بالبيعة, فخرجت إليه جماعة منهم فخطأوه في الصلح وعرضوا له بنقض ذلك, فأباه وأجابهم بخلاف ما أرادوه عليه. ثم إنهم أتوا الحسين عليه السلام فعرضوا عليه ما قالوا للحسن عليه السلام, وأخبروه بما رد عليهم . فقالقد كان صلح وكانت بيعة, كنت لها كارها, فانتظروا ما دام هذا الرجل حيا [يعني معاوية] فإن يهلك نظرنا ونظرتم . فانصرفوا عنه ؛ فلم يكن شيء أحب إليهم وإلى الشيعة من هلاك معاوية, وهم يأخذون أعطيتهم ويغزون مغازيهم.

من الواضح أنّ الإمام الحسين عليه السلام قد أخذ دور الحكيم الذي يريد إقناع الآخرين بأسلوبه الذكي جداً, فقال لهم أولاً: قد كان صلح وكانت بيعة, كنت لها كارها فقد تمّ الأمر ولا معنى للتذمّر أبداً, وأنا بدوري كنت كارهاً, أي كنت أكره هذا الصلح, ولكنّي مع كلّ ذلك قبلت ورضيت, فالمؤمن يواجه المكروه بالصبر والتحمّل, ولا يعني ذلك أنّه كان يعترض والعياذ بالله, ففرق كبير بين المكروه والكره وبين الاعتراض والتسليم , بل الأمر على العكس, بداهة أنّ التسليم موضوعه الأمور الصعبة والمستكرهة, فالصبر كلّ الصبر إنّما هو على ما نكره ونخاف ونحذر. وبذلك يكون سيّد الشهداء قد علمهم درساً سلوكيّاً عملياً في حقيقة الصبر والتسليم في حالة مواجهة المكروه.

تماماً كما ورد في القرآن الكريم عن السيدة مريم سلام الله عليها, حيث قالت: {فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى‏ جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَني‏ مِتُّ قَبْلَ هذا وكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا} حيث أنّ تعبيرها على ما تكره قد يوحي ـ بظاهره الاعتراض على المشيئة الإلهيّة ـ حيث قالت: {يا لَيْتَني‏ مِتُّ قَبْلَ هذا}فقد ورد في مجمع البيان في قوله تعالى: {قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا} إنّما تمنّت الموت لأنّها لم ترَ في قومها رشيداً ذا فراسة ينزهها من السوء, وذلك نقلا عن رواية عن الإمام الصادق عليه السلام, لذلك فإنّ المدقّق بأحوالها سلام الله عليها يعلم أنّها كانت في قمّة الصبر والصلابة والإيمان واليقين والهدوء والطمأنينة, فلم يكن كلامها هذا ناشئاً عن حالة الاعتراض على الله تعالى!! ولم تكن متذمّرة من القضاء الإلهي, بل كانت راسخة ثابتة القدم مفوضة مطمئنّة, وما تعبيرها بهذه الكلمات إلا نتيجة لقسوة وشدّة البلاء الذي مرّت به سلام الله عليها, فكانت تموت وتحيى ألف مرّة في كلّ لحظة من شدّة الضغوطات التي عانتها من نظرات بني إسرائيل, فتعليقها بقولها: {يا لَيْتَني‏ مِتُّ قَبْلَ هذا} ناشئ عن ثقل التجلّيات الجلاليّة التي حلّت في وجودها وامتحنها الله بها, فهي تعبّر بذلك عن ألمها وتألّمها, ولكنّها من جهة ثانية مسلّمة مفوّضة, فهي مقبلة على الله بكلّ وجودها, ولم تعترض عليه أبداً, وأهل السلوك يميّزون جيّداً بين التألّم من شدّة التجلّيات الجلاليّة وبين الاعتراض, وفرق كبير بينهما.

على هذا الأساس وعلى هذه القاعدة نفسّر ما جرى بين أمير المؤمنين عليه السلام وسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام الله عليه حيث ينقل المرحوم العلامة الطهرني رضوان الله عليه ما نصّه:

[ردّ أمير المؤمنين عليه السّلام على اعتراض فاطمة عليها السلام‏

ثم انّ فاطمة ذهبت بعد ذلك إلى المسجد لإثبات حقّها، فتحاججت مع أبي بكر؛ يقول ابن شهرآشوب: و لمّا انصرفت من عند أبي بكر أقبلت على أمير المؤمنين عليه السلام فقالت له:

يَابْنَ أبي طَالِبٍ! اشتملْتَ شَمْلَةَ الْجَنين، وَقَعَدتَ حُجْرَةَ الظَّنين، نَقَضْتَ قَادِمَةَ الأجْدَلِ فَخَانَكَ رِيشُ الأعْزَلِ.

هَذَا ابْنُ أبي قُحَافَةَ، قَد ابْتَزَّني نُحَيْلَةَ أبي، وَ بُليغَةَ ابْني.

وَاللهِ لَقَد أجَدَّ في ظُلامَتِي، وَ ألَدَّ في خِصَامِي، حتى مَنَعَتنِي الْقَيْلَةُ نَصْرَهَا، وَ المهَاجِرَةُ وَصْلها، وَ غَضَّتِ الجمَاعَةُ دُوني طَرْفَهَا؛ فَلا مَانِعَ وَلا دَافِعَ.

خَرَجْتُ وَاللهِ كَاظِمَةً، وَعُدْتُ رَاغِمَةً.

أضْرَعْتَ خَدَّكَ يَوْمَ ‏أضَعْتَ حَدَّكَ، افتَرَسْتَ الذِّئَابَ وَافْتَرَسَكَ الذُّبَابُ، مَا كَفَفْتَ قَائلًا، وَ لأ أغْنَيْتَ بَاطِلًا، وَ لا خِيَارَ لي ليتَني مِتُّ قَبْلَ ذُلَّتِي، وَ تُوِفِّيتُ دُونَ مُنيتِي.

عَذِيرِي وَاللهِ فِيْكَ حَامِيَاً، وَ مِنْكَ دَاعِيَاً، وَيْلاي ‏في كَلِّ شَارقٍ، مَاتَ الْعَمَدُ وَ وَهَنَ الْعَضُدُ.

شَكْوَايَ إلى رَبِّي وَ عُدْوَايَ إلى أبي.

اللهُمَّ أنْتَ أشْدُّ قُوَّةً وَ أحَدُّ بَأسَاً وَ تَنْكِيلًا.

فَأجابها عليه السّلام:

لا وَيْلَ لَكِ! بَلِ الْوَيْلُ لِشَانِئِكِ، نَهنِهِي عَنْ عِربِكِ يَا بِنْتَ الصَّفْوَةِ وَبَقِيّةَ النُّبّوَّةِ.

فَوَ اللهِ مَا وَنيتُ في دِيني، وَ لا أخْطَأتُ مَقْدُورِي، فَإن كُنْتِ تُرِيدِينَ الْبُلْغَةَ فَرِزْقُكِ مِضَمُونٌ وَ كَفِيلُكِ مَأمُونٌ، وَ مَا اعِدَّ لَكِ خير ممّا قُطِعَ عَنْكِ، فَاحْتَسِبِي!

فَقَالَت: حَسْبِيَ اللهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ!

يقول ابن أبي الحديد: وَ قَدْ رُوِى عَنْهُ عليه السَّلام إنَّ فَاطِمَةَ عَليهَا السَّلامُ حَرَّضَتْهُ يَوْمَاً على النُّهُوضِ وَ الْوُثُوبِ، فَسَمِعَ صَوْتَ المؤَذِّنِ: أشْهَدُ أنَّ محمّداً رَسُولُ اللهُ.

فَقَالَ لها: أيَسُرُّكِ زَوَالَ هَذَا النَّدَاءِ مِنَ الأرضِ؟

قَالَت: لا.

قَالَ: فِإنَّهُ مَا أقُولُ لَكِ]

فقد يتوهم البعض أنّ هذه العبائر الشريفة تدل على أنّ سيدة نساء العالمين سلام الله عليها كانت تعترض على أمير المؤمنين عليه السلام, وهذا خطأ فادح في التحليل التاريخي, بداهة أنّ سيدة نساء العاملين سلام الله عليها لم تكن لتطمع في فدك أصلاً, فما دفاعها عن نحلتها من أبيها المصطفى صلوات الله وسلامه عليهما إلا مقدّمة لدكّ حصون الغاصبين للولاية, وتذكيرهم بغصبهم للولاية, وكسر قداستهم وبالتالي تسجيل مخالفة واضحة عليهم لإفهام الأمّة أنّ من يسرق أرضاً مملوكة فهو غير معصوم عن الخطأ, وهو ذو هوى, وقد يحيف ويظلم ويطغى, فالذي يسرق الزهراء نحلتها من أبيها قلبه آثم وهو بسرقة الخلافة واختلاس حكومة المسلمين أجدر, لأنّه متعلق بحب الدنيا وبالرياسة وحب الخلافة والإمرة على الناس, وهو غير جدير بالخلافة والولاية!!! فهي بمقارعتها للخليفة الأول والثاني أثبتت للجميع وللتاريخ أنّهما وحزبهما كانا من أهل الدنيا, وأهل الدنيا لا يؤتمنوا على دين ولا دنيا.

لذلك كانت مقارعتها واعتراضها على الخليفتين الأول والثاني دفاعاً عن ولاية أمير المؤمنين والتزاماً بإمامته وطاعته له ولنورانيّته وولايته المتصلة بالله تعالى, فلم يكن اعتراضها على الخليفة الأول والثاني لحبّها للعقارات والأرض وجمع الأموال, بل كان جميع ذلك لأجل عليّ عليه السلام, وكان دفاعاً عن ابن أبي طالب وولايته الكلية سلام الله عليهما وآلهما.

لذلك كانت بكلامها مع أمير المؤمنين تعزيه وتصف حالته التي آلت إليها, فكأنّها تقول له:

يا أبا الحسن! يا ابن أبي طالب! يا علي!, أنت فاتح باب خيبر.. وأنت من يهابك الأوس والخزرج, وتهابك مكة والمدينة, وتهابك قريش والعرب, وتهابك الروم والأقباط, وتهابك الفرس والديلم, صرت اليوم قاعداً في بيتك جالساً محتسباً متجرّعاً الصبر الأليم, كلّ ذلك لأنّك امتثلت أمر رسول الله صلى الله عليه وآله حيث أمرك بأن تصبر وتسالم ما سلمت أمور المسلمين, فهُضمَ حقّي وكُسرَ ضلعي وأحرقَ باب داري وأسقطَ جنيني, وأنا أعرف أنّك قاعد امتثالاً لأمر حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله, فكانت في الحقيقة تبكي على أمير المؤمنين, لما تشهد من حالته وصبره وسكوته ـ وفي العين قذى وفي الحلق شجى!! ـ التي أبكت السماوات والأرض, فهو القادر على أن يهزّ طرف سيفه فيفرّوا من بين يديه فرار الغنم والمعزى, ولكنّ هذا الأسد ـ أسد الله ووليه ـ قد قبع في بيته وجلس محتسباً صابراً أشدّ أنواع الصبر!! فالزهراء سلام الله عليها تعزيّ أمير المؤمنين ولا تعترض عليه أصلا.

 إنّ هذه الكلمات التي تكلمت بها سيدة نساء العالمين مع أمير المؤمنين سلام الله عليهما وآلهما لهي من أروع وأعلى وأشمخ وأبلغ أنواع المواساة, فهي تصف حالته التي ألزم نفسه بها امتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليهما وآلهما, والسيدة الزهراء تعلم بذلك وتدري جميع هذه الأمور أكثر ممّا يتصوّره عقل أو قلب أو فهم.

لذلك فإنّ العنوان الذي أورد في كتاب العلامة الطهراني ينبغي أن يفسّر بـ اعتراض السيدة الزهراء عليها السلام على الخليفة الأول والثاني ومقارعتهما, ولا ينبغي أن يفسّر بمعنى الاعتراض على أمير المؤمنين عليه السلام!!. هذا ونشير إلى أنّ هذه العناوين التي كانت تكتب في كتب المرحوم العلامة إنّما كانت من بعض الأشخاص الفضلاء, ولم تكن من العلامة الطهراني نفسه, فلو أصرّ البعض على تفسير العنوان الوارد أعلاه[ردّ أمير المؤمنين عليه السّلام على اعتراض فاطمة عليها السلام‏]] بما يوحي بالاعتراض على أمير المؤمنين والعياذ بالله, فالجواب:

إنّ السياق يفرض علينا أن نفسّر العنوان على أنّ الاعتراض للخليفتين الأول والثاني وليس لأمير المؤمنين, وثانياً: أنّ الذي كتبها ـ كما قلنا ـ هو غير العلامة الطهراني رضوان الله عليه, ثالثا: إن الشواهد التاريخية تجلّ السيدة الزهراء عن الاعتراض على أمير المؤمنين الإمام المعصوم عليه السلام, رابعاً: إنّ عقيدتنا بعصمة السيدة الزهراء تمنع منعاً باتاً من قبول هذا التفسير.

مناقشة أخيرة

وقد ورد في تاريخ الطبري المجلد 3 صفحة 165:

لما رأى الحسن عليه السلام خيانة الخونة من أصحابه وتنازع أصحابه وفشلهم, وبلغه, كتاب قيس بن عبادة يخبره عن توجه أهل العراق إلى معاوية, دعا الحسن أصحابه وقال لهم: يا أهل العراق! ما أصنع بجماعتكم معي وهذا كتاب قيس بن سعد يخبرني بأن أهل الشرف منكم قد صاروا إلى معاوية, أما والله ما هذا بمنكر منكم, لأنكم أنتم الذين أكرهتم أبي يوم صفين على الحكمين, فلما أمضى الحكومة وقبل منكم اختلفتم, ثم دعاكم إلى قتال معاوية ثانية فتوانيتم, ثم صار إلى ما صار إليه من كرامة الله إياه, ثم إنكم بايعتموني طائعين غير مكرهين, فأخذت بيعتكم وخرجت في وجهي هذا, والله يعلم ما نويت في, فكان منكم إلى ما كان, يا أهل العراق! فحسبي منكم لا تعزوني في ديني فإني مسلم هذا الامر إلى معاوية . قال: فقال له أخوه الحسين: يا أخي! أعيذك بالله من هذا! فقال الحسن: والله لأفعلن ولأسلمن هذا الأمر إلى معاويةوفى رواية قال الحسين عليه السلام: نشدتك الله ان تصدق أحدوثة معاوية و تكذب أحدوثة علي عليه السلام

ولو تنازلنا عن الدراسة السنديّة لهذا النقل التاريخي وأمثاله, فأقصى ما يدلّ عليه هو أنّ الإمام الحسين عليه السلام قد تكلّم مع أخيه بلسان القوم ليوحي لهم أنّه معهم ومنهم, كمقدّمة ليقنعهم بأنّه متفهّم لجميع هواجسهم وتخوفاتهم, ليسهل عليه إقناعهم بعد ذلك بحججه المتعدّدة التي مرّ بعضها في النقولات التاريخيّة السابقة, وأنّى ذلك من الاعتراض على الإمام!!

وفي كتاب كلمات الامام الحسين 223:

يقول: حدثنا خلف بن سالم, حدثنا وهب بن جرير, قال: أبي - وأحسبه رواه عن الحسن البصري - قال:لما بلغ أهل الكوفة بيعة الحسن أطاعوه وأحبوه أشد من حبهم لأبيه, واجتمع له خمسون ألفا, فخرج بهم حتى أتى المدائن, وسرح بين يديه قيس ابن سعد بن عبادة الأنصاري في عشرين ألفا, فنزل بمسكن, وأقبل معاوية من الشام في جيش . ثم إن الحسن خلا بأخيه الحسين فقال له: يا هذا إني نظرت في أمري فوجدتني لا أصل إلى الأمر حتى تقتل من أهل العراق والشام من لا أحب أن أحتمل دمه, وقد رأيت أن أسلم الامر إلى معاوية فأشاركه في إحسانه ويكون عليه إساءته . فقال الحسين: أنشدك الله أن تكون أول من عاب أباك وطعن عليه ورغب عن أمره . فقال: إني لأرى ما تقول ووالله لئن لم تتابعني لأسندتك في الحديد, فلا تزال فيه حتى أفرغ من أمري . قال: فشأنك فقام الحسن خطيبا فذكر رأيه في الصلح والسلم لما كره..

ولا يخفى أنّ هذا النقل التاريخي إنّما يثبت كراهية الإمامين الحسن والحسين للصلح, فتعبير الإمام الحسين عليه السلام بـ إني لأرى ما تقول نصّ في أنّ الموقف صعب حتّى على الإمام المجتبى عليه السلام, وما جواب الإمام المجتبى لأخيه سيّد الشهداءوالله لئن لم تتابعني لأسندتك في الحديد, فلا تزال فيه حتى أفرغ من أمري إلا على لغة: إيّاك أعني واسمعي يا جارة, فهو كلام موجّه للأمّة التي عزمت على التسرّع في عدم فهم مراد إمامها وحكمته, وإلا فإنّ الإمام الحسين عليه السلام قد أجاب أخاه من أوّل لحظة بقولهفشأنكفلو كان يعترض لما قال:فشأنك!

وقد ورد في أنساب الاشراف الجزء 3: 59 عن ابن عساكر: أنبأنا عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي، أنبأنا حاتم بن أبي صغيرة, عن عمرو بن دينار: أنّ معاوية كان يعلم أنّ الحسن كان أكره الناس للفتنة, فلمّا توفي علي بعث إلى الحسن فأصلح الذي بينه وبينه سرا, وأعطاه معاوية عهدا إن حدث به حدث والحسن حي ليسمينه وليجعلن هذا الامر إليه فلما توثق منه الحسن قال ابن جعفر: والله إني لجالس عند الحسن إذ أخذت لأقوم فجذب ثوبي وقال: يا هناه إجلس فجلست فقالإني رأيت رأيا وإني أحب أن تتابعني عليه . قال: قلت: وما هو ؟ قال قد رأيت أن أعمد إلى المدينة فأنزلها وأخلي بين معاوية وبين هذا الحديث, فقد طالت الفتنة, وسفكت فيها الدماء, وقطعت فيها الارحام, وقطعت السبل, وعطلت الفروج يعني الثغور . فقال ابن جعفر: جزاك الله عن أمة محمد خيرا, فأنا معك على هذا الحديث. فقال الحسن: ادع لي الحسين فبعث إلى حسين فأتاه, فقال: أي أخي إني قد رأيت رأيا وإني أحب أن تتابعني عليه. قال: ما هو؟ قال: فقص عليه الذي قال لابن جعفر قال الحسين: أعيذك بالله أن تكذب علياً في قبره وتصدّق معاوية. فقال الحسن: والله ما أردت أمرا قط إلا خالفتني إلى غيره, والله لقد هممت أن أقذفك في بيت فأطينه عليك حتى أقضي أمري. قال: فلما رأى الحسين غضبه قال: أنت أكبر ولد على, وأنت خليفته, وأمرنا لأمرك تبع فافعل ما بدا لك . فقام الحسن فقال: يا أيها الناس إني كنت أكره الناس لأول هذا الحديث, وأنا أصلحت آخره لذي حق أديت إليه حقه أحق به مني أو حق جدت به لصلاح أمة محمد صلى الله عليه وآله وإن الله قد ولاك يا معاوية هذا الحديث لخير يعلمه عندك أو لشر يعلمه فيك وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.

ولعلّ هذه الفقرة من أكثر العبائر إيهاماً, حيث يتخيّل البعض أنّها توحي بالاعتراض والعياذ بالله, والحقيقة أنّ الإمام الحسن إنّما يكشف عن أنّ وظيفة الإمام الحسين عليه السلام هي غير وظيفة أفراد الأمّة, فوظيفة سيّد الشهداء هي مخالفة الصلح وعدم الإمضاء, ولذلك كان الإمام الحسن يبرّر إعلامياً ـ أمام الناس وأما معاوية وأمام الأصحاب ـ أنّ وظيفة أخي الحسين هي طرف النقيض بالنسبة للصلح, فسوف لن يصالح أخي الحسين, وسوف نختلف هذه المرّة في مواقفنا, فالحسين سوف يخالفني في الصلح, وهو عين الحق والصواب, لأنّ ولاية الإمام المجتبى هي التي قرّرت وأرادت واختارت ذلك, والعموم والشمول المستفاد من قول الإمام المجتبى في قوله والله ما أردت أمرا قط إلا خالفتني إلى غيره إنّما هو حصر وعموم إضافيّ, أي بالنسبة للصلح مع معاوية, فلم يعهد عن الإمام الحسين أنّه كان يخالف أخاه الحسن بكلّ شيء!! ولو كان لبان, ومن يريد تفسيرها بهذا الشكل فهو يكذّب التاريخ والسيرة الواضحة والثابتة لدى السنّة والشيّعة بأنّ سيّد الشهداء كان مطيعاً لأخيه سلام الله عليهما, من ذلك نقطع ونجزم بأنّ مراد الإمام الحسن هو خصوص مسألة الصلح مع معاوية, وكأنّه يريد أن يقول للملأ من أصحابه ممّن صعب عليهم التسليم لحكم الإمام: إنّ أخي الحسين عليه السلام قد استصعب أمر الصلح وكرهه مثلكم بل ومثلي أيضاً, فأنا أيضاً أكره الصلح مع معاوية, وكلّما عرضت الأمر على أخي الحسين كرهه ولم يستسغه, ولكن!! مع كلّ ذلك فقد رضي وقبل ونزل على حكمي حينما حكمت وأنفذت الأمر. كذلك من الجانب الآخر, لا يمكن أن يستفاد من كلام الإمام الحسن المجتبى أنّه كان هو معترضاً على أخيه الحسين سلام الله عليهما, فكما أنّ الإمام الحسين لا يعترض على الإمام الحسن كذلك العكس لا يحصل, لأنّهما معصومان وإمامان, غاية الأمر أنّ الموقف يقتضي أن يأخذ كلّ منهما جانباً يبيّنه, فتوزيع الأدوار بينهما كان يقتضي ذلك, فالإمام الحسن يريد إفهام الأمّة أنّ من يريد أن يتخلّف عن البيعة ـ في هذه الظروف الصعبة والحرجة على الشيعة ـ يستحقّ أن يسجن ويحبس ويرغم على البيعة, وهذه الرسالة قد أوصلها الإمام المجبتى إلى الأمة عبر أخيه وبلسان أخيه الإمام الحسين سلام الله عليهما.

كذلك ما أورده ابن شهر آشوب في مناقبه في الجزء الرابع صفحة 34:

أنّه دخل الحسين عليه السلام على أخيه باكيا ثم خرج ضاحكا, فقال له مواليه: ما هذا ؟! قال: أتعجب من دخولي على امام أريد أن أعلّمه, فقلتُ: ماذا دعاك إلى تسليم الخلافة فقال: الذي دعا أباك فيما تقدم. قال: فطلب معاوية البيعة من الحسين, فقال الحسن: يا معاوية! لا تكرهه فإنه لن يبايع أبدا, أو يقتل, ولن يقتل حتى يقتل أهل بيته, ولن يقتل أهل بيته حتى يقتل اهل الشام.

ولا يخفى أنّ هذه العبارة ـ كسابقاتها ـ تدلّ على أعلى مراتب التنسيق والتناغم, وهما متفرعان على التسليم والتفويض وأعلى منهما رتبة كما لا يخفى.

ومنها ما رواه العلامة المجلسي في بحار الأنوار 44: 61 عن الكشي عن جبرئيل بن أحمد وأبو إسحاق حمدويه وإبراهيم بن نصير, عن محمد بن عبد الحميد العطار الكوفي, عن يونس بن يعقوب, عن فضيل غلام محمد ابن راشد, قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول إن معاوية كتب إلى الحسن بن علي صلوات الله عليهما, ان أقدم أنت والحسين وأصحاب علي, فخرج معهم قيس بن سعد ابن عبادة الأنصاري, فقدموا الشام, فأذن لهم معاوية, وأعد لهم الخطباء, فقال: يا حسن قم فبايع فقام وبايع, ثم قال للحسين عليه السلام: قم فبايع, [فقام فبايع], ثم قال: يا قيس قم فبايع فالتفت إلى الحسين عليه السلام ينظر ما يأمره, فقال: يا قيس إنه إمامي, يعنى الحسن عليه السلام

ملاحظة: قد ورد في هذه الرواية أنّ الإمام الحسين قد بايع, وهو ما يخالف ما تسالم عليه في جميع التواريخ والروايات, لذلك لا يعتمد عليها من هذه الجهة, بل لا يبعد أن تكون العبارة مصحّفة, ليكون الناسخ لها قد كتب: (فقام فبايع) بدلا من(فلم يبايع), فتحوّلت خطأً بواسطة بعض النساخ إلى (قام فبايع), وخاصة لو لاحظنا أنّ الكتابة قديما لم يكن فيها نقاط وعلامات ترقيم, وتلاصق الحروف, فلو حذفنا نقاط الترقيم لأصبحت العبارتان متقاربات بالكتابة كثيرا, وعلى العموم ففي مثل هذه الموارد حينما نواجه عبارة تخالف المتواتر والمستفيض, فلا يعتمد عليها في حدود مورد المعارضة كما لا يخفى عند أهل التحقيق. هذا فضلا عن أنّها لو ثبتت فإنّها تنفي موضوع اعتراض الإمام الحسين على الإمام الحسن عليهما السلام بشكل كامل!! ولكن كما قلنا فلا يعتمد عليها.

وعليه فلو قبلنا بها بعد إصلاح متنها, فسوف تصبح دلالاتها على تسليم الإمام الحسين عليه السلام واضحة جلية, لأنّها تكشف عن صعوبة موقف الإمام الحسين وحرجيّته, حيث كانت وظيفته تقتضي عدم المبايعة بشكل شخصي, ولكن في نفس الوقت, كان عليه أن يقنع الأصحاب بوجوب المبايعة, فوظيفته الشخصية عدم المبايعة ووظيفته الاجتماعية إقناع الآخرين بالمبايعة!! وكم هو موقف صعب جداً وحساس ومحرج, فعدم مبايعة الإمام الحسين سوف تثير حساسيّة كبيرة اتجاه أخيه الإمام الحسن, وستكون ذريعة لمن صعب عليه الصلح مع معاوية ولم يرد المبايعة أن يمتنع عن المبايعة ويتخذ من موقف الإمام الحسين ذريعة لعدم المبايعة, لذلك كان على سيّد الشهداء في تلك المرحلة أن يقوم بعملين معاكسين في آن واحد, لذلك حينما نظر إليه (قيس بن سعد ابن عبادة الأنصاري), ليستجدي منه إمضاء لعدم البيعة, زجره الإمام الحسين وقال له: إنّ الحسن إمامي!! يعني عليك أن تبايع يا قيس دون تردّد..

أفهل يتصوّر أنّ هناك تسليم أعلى وأعظم وأدقّ وأنقى من تسليم سيّد الشهداء لأخيه المجتبى؟! نترك الحكم لضمير التاريخ وعقلاء الأمة...

وقد ورد في أنساب الاشراف 3: 150: أنّ محمّد بن بشر الهمداني وسفيان بن ليلى الهمداني أتيا إلى الحسن عليه السلام وعنده الشيعة الذين قدموا عليه أولا, فقال له سفيان - كما قال له بالعراق -: السلام عليك يا أمير المؤمنين . فقال له: ( اجلس لله أبوك ) والله لو سرنا إلى معاوية بالجبال والشجر ما كان إلا الذي قضى . ثم أتيا الحسين عليه السلام فقال: ( ليكن كل امرئ منكم حلسا من أحلاس بيته ما دام هذا الرجل حيا [أي معاوية]، فإن يهلك وأنتم أحياء رجونا أن يخير الله لنا ويؤتينا رشدنا ولا يكلنا إلى أنفسنا، إنّ الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.

وهذه الرواية نصّ في أنّ الإمام الحسين عليه السلام كان مسلّماً مطيعاً لأمر أخيه, بل كان يأمر القوم بالطاعة والتسليم وينهاهم عن الاعتراض على المعصوم.

لو كان حقّاً قد اعتراض الإمام الحسين على أخيه الحسن عليهما السلام, فما هو حال الأصحاب حينما يشاهدوا موقف الاعتراض؟! فلو سمع أصحاب الإمام الحسن عليه السلام اعتراضاً أو غمزة أو همسة أو لمزة من الإمام الحسين بحقّ أخيه الإمام الحسن, لتمسّكوا به ولاتخذوه مدركاً لهم لتبرير نكولهم وعدم تفهّمهم لعمق مرام المعصوم عليه السلام, والحال أنّ التاريخ لم ينقل لنا شيئاً عن ذلك, فخلوّ الروايات والتواريخ والسير عن مثل ذلك دليل على أنّه لم يخطر على بال أحد من الأصحاب أنّ الإمام الحسين قد اعترض على أخيه الحسن والعياذ بالله.

بل لو ثبت ـ تاريخياً ـ مثل ذلك, لكان مدركاً بيد بني أميّة وجميع المخالفين لخطّ الإمامة ليهدموا فيه عصمة أهل البيت عليهم السلام, وليكسروا بواسطته مفاد قوله تعالى {إِنَّما يُريدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهيرا} تصوّروا لو يعثر المخالفون لمدرسة الإماميّة على موقف كان أمير المؤمنين قد عارض فيه النبيّ الأكرم صلوات الله وسلامه عليهما وآلهما, فكيف ستكون فرحتهم؟! وبأيّ أسلوب سيفرحون وسيضحكون وسيسخرون؟!

ولا ندري كيف آلت الأمور إلى أن صار البعض يتساهل بنسبة الاعتراض إمام على إمام آخر دون دليل ودون مدرك, ودون أن نلتفت إلى خطر وعمق هذا الادعاء..

كذلك لو كان الحسين أرواحنا فداه قد خطر على قلبه الاعتراض ـ والعياذ بالله ـ لكان قد أفصح بذلك ولو بعد حين, وذلك حينما نقض معاوية البيعة!! فلو كان سيّد الشهداء معترضاً فمن الطبيعي أن يشتدّ غضبه واعتراضه على أخيه الحسن حينما نقض معاوية البيعة, ولكان الوقت مناسباً لإبداء كامل اعتراضه في تلك الفترة, لأنّ الظروف قد انعكست وانقلبت, فالمعترض على بداياتها من الطبيعي أن يعترض على فجائعها بشكل أعلى... والحال أنّ التاريخ لم ينقل لنا شيئاً من ذلك, بل المتصفّح للتواريخ يجد أنّ التسليم والالتزام والتفهّم والطاعة والبيعة والعبوديّة لله وأئمّته كان هو شعار سيّد الشهداء أرواحنا فداه, كيف وهو أحد إمامين قاما أو قعدا.. وما أصرح كلام إمامنا الباقر عليه السلام حيث يقول:

(ما تكلّم الحسينُ بين يدي الحسن إعظاماً له، ولا تكلّم محمّد ابنُ الحنفيّة بين يدي الحسين عليه السلام إعظاماً له)

من جميع ذلك نعلم أنّ مقام المعصوم أعلى من ذلك، سائلين الله تعالى أن يوفقنا لفهم مراد المعصومين سلام الله عليهم أجمعين 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الهيئة العلمية في موقع رحاب الوحي

www.rehab-alwahy.com

 

 

 

 

عودة إلى القائمة