08 شوال 1441 هـ.ق. - الأحد 31 أيار 2020 م.

الرئيسية > محاضرات

كيف نحافظ على آثار شهر رمضان المعنوية؟
لـالهيئة العلمية في موقع رحاب الوحي
تاريخ الإضافة: 2 شوال 1435 هـ . ق

الرجاء تنصيب برنامج الفلاش أولا

نبذة عن المحاضرة
بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لا يخفى أنّ للأيام والشهور ـ والزمان بشكل عام ـ آثارها التكوينيّة الخاصّة التي أودعها الله فيها طبقاً لقانون العلّية, فكلّ وقت من الأوقات له تأثيره الخاصّ على النفس, من شأنه أن يهيّئ النفس ويضفي عليها استعداداً خاصاً يتفاعل مع المتغيّرات التي تطرؤ على النفس, وذلك على قاعدة: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِم‏} فالتقديرات الإلهيّة متعلّقة بحركة النفس, فمن أراد أن يستجلب النفحات الإلهيّة والفيوضات الرحمانيّة عليه أن يبدلّ نفسيّته ويجاهدها ويغيّرها كي تصبح مستعدّة للتجليات الأسمائيّة والصفاتيّة الإلهيّة, ومن الأمور المساعدة على تبدلّ النفس وتغيّرها الزمان والزمانيّات؛ فوقت ما بين الطلوعين له حالاته الخاصّة به من صفاء ونشاط وهمّة وهدوء وسكينة وتأمّل خاصّ, لا توجد في أيّ ساعة من ساعات النهار والليل, ممّا يعكس على النفس حالة من النورانيّة الخاصّة, وتفاؤل وأمل بالله تعالى, من شأنها أن تستجلب الرزق الماديّ والمعنويّ, والثلث الأخير من الليل له سكونه وخشوعه المختصّ به, من شأنه أن يطرد الخواطر ويقنّن الخيالات ويزيد من الخشوع والخشية واستجداء الرحمة وطلب المعرفة وحصول الشهود والمكاشفات المعنويّة, كذلك وقت الزوال وما بعده إلى صلاة العصر فإنّه الوقت الذي يؤثّر على النفس في تثبيت الحالات المعنويّة التي حصلت عليها في هذا اليوم, وكذلك لحظة غروب الشمس فإنّها تؤثّر على النفس في غرس حالة من الإنابة والرجوع إلى الله عزّ وجلّ, وعلى ذلك فقس, فلو تأمّل الإنسان في هذه الأوقات مضافاً إلى وقت العصر والعشاء, مضافاً إلى حركة الأسبوع وخاصّة نهار الجمعة وليلته, وكذلك حركة الشهور ولياليها وأيامها ومناسباتها وأعيادها المختلفة من شهر إلى آخر, وأيامها البيض وأوائل الشهور ومنتصفها وأواخرها, فسوف يتمكّن السالك إلى الله من إدارة نفسه ومجاهدة نفسيّته بشكل أكبر, وسيتمكّن من السيطرة على باطنه بشكل محكم, والقيام ببرنامجه الخاصّ بما يتناسب مع هذه الساعات والأيام والشهور بشكل دقيق, فلكلّ فعل أو ورد وذكر أو عبادة وقتها المتناسب مع مضمونها, وهكذا في سائر الأعمال. وفي ظلّ ذلك نعلم أنّ من الخطأ أذكار الليل بالنهار أو العكس بالعكس, فلا معنى لأن تصلّى صلاة الليل في الضحى, أو تصلى نوافل الظهر صباحاً أو ليلاً, كذلك لا معنى لأن نصلي صلاة الغفيلة بين الظهرين أو صلاة الصبح, أو أن نستبدل دعاء كميل بدعاء الصباح وهو بدعاء كميل, أو نبدل أدعية أيام الثلاثاء بأيام الخميس أو الجمعة أو العكس, أو نبدل الأذكار التي من شأنها أن تؤدّي إلى تحريك النفس نحو الفناء والانقطاع عن عالم الكثرة بالأذكار التي لها حالة الجامعيّة بين مقام الفناء والبقاء! كذلك من الخطأ الفادح جداً أن نستمر بقراءة أدعيّة وأوراد خاصّة بشهر معيّن في شهور أخرى, بل علينا في جميع ذلك أن نميّز بين أنواع العبادات والأذكار والأوراد والأدعية, لنعرف العامّ منها من الخاصّ, ونعرف خصوصيّة الخاص ونلتزم بها وقتاً وحالةً ولا نتعداها أبداً, وأمّا العام فيمكن القيام به في أيّ وقت لأنّه لا يرتبط بزمن معيّن. من ذلك نعلم أنّ لكلّ شهر من شهور السنّة القمريّة آثاره الملكوتيّة وضيافته الخاصّة, ومن الخطأ الفادح أن نتعامل مع ضيافة شهر معيّن على أنّها ضيافة شهر آخر, فلا معنى لأنْ نسعى إلى تمديد أجواء شهر رمضان ولياليه وإحياءاته وأدعيته إلى شوال, أو تمديد حالات شهر شوال إلى ذي القعدة أو رجب أو غيره من الشهور الفضيلة, فالعرفاء يلتزمون بالتجلي الملكوتي لكلّ شهر بشكل خاص, ويشعرون بالأثر الخاص لكلّ شهر بشكل مباشر, ويعيشون ضيافة كلّ شهر حسب التجلّي الذي يريده الله تعالى, وحينما يمضي شهر خاصّ ويأتي شهر آخر, لا يشعرون بأنّهم طردوا والعياذ بالله من نفحات الشهر السابق, بل العارف الحقيقي يعرف قيمة كلّ شهر ولا يسعى أن يطوّل الشهر السابق على حساب الشهر اللاحق, وإنّما يتعرّض لنفحات كلّ شهر بشهره, وحينما تنتهي ضيافة هذا الشهر لا يطلب استمرارها, لماذا؟ لأنّه يفهم أنّه قد دخل في ضيافة شهر جديد, وجلس على سفرة جديدة, فيسلّم أمره لله تعالى, وينهل من بركات ما قدّره الله له, فالأولياء يدركون بشهودهم أهميّة تنوّع الشهور والأسابيع والأيام, ويعرفون أنّ النفس لا تسير على وتيرة واحدة, بل تحتاج إلى حركة تكوينيّة ـ زمانيّة ومكانيّة ـ من شأنها أن تخلع النفس عن حالة السكون والقبوع في مقام واحد وحالة واحدة, فالتنوّع ضروري والتنقّل من شهر لآخر ضروري, وما على السالك إلى الله إلا أن يراقب نفسه في كلّ شهر ليعرف الحالة التي أرادها الله أن يعيشها ويشهدها ويمرّ بها, فينشأ من المجموع ـ أي حركة الشهور الاثني عشر ـ نسيجاً متكاملاً يبدلّ النفس ويجرّدها عن عالم الكثرة والمادّة ويعرج بها إلى الملكوت بشكل دقيق ومتناسب وهادف. وعليه فالمهم هو أنْ نحافظ على الأثر الملكوتي الذي من شأنه أن يستمر إلى سائر الشهور وسائر المناسبات الأخرى, لا أن نعيش في شوال على أنّه شهر رمضان أو العكس!! فهذا أمر خاطئ, وعلى ذلك يحمل معنى قول رسول الله صلّى الله عليه وآله: (إنّ لربّكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها ولا تعرضوا عنها), فالتعرّض لهذه النفحات ـ سواء المتجليّة عبر الأزمنة أو الأمكنة المباركة ـ إنّما يتحقّق بالتعامل معها على ما هي عليه, دون استبدالها أو سحبها إلى أزمنة أو أمكنة أخرى, فلا يمكن لنا أن نجعل من شوال شعباناً, أو نجعل من مكان معيّن كعبةً أو حرماً أو مزاراً يقصد من بعيد, نستعيض به عن الكعبة التي شرّفها الله تعالى أو مشاهد الأولياء التي تشرّفت بوجودهم المبارك وعناياتهم الجسيمة. كما ومن أهداف المراقبة لدى السالك أن يتأمّل في الحالات التي تتنزّل عليه ويراقبها ويتحسّس بها بشكل دائم, والسالك المجد والمخلص المتدرّب على المراقبة يشعر بجميع ذلك, ويبقى ساهراً على نفسه, يتحسّس بما يجري عليها, ولا يهمل ذلك أبداً, فالنفحات قد تأتي بسبب فعل خاص, أو بسبب عناية الإمام والولاية, وقد لا يكون للزمان والأيام والمكان والبقاع الشريفة تأثير في ذلك, بل تكون مرتبطة بشكل مباشر بالإمام وولايته الحاكمة على الزمان والمكان, فتفاض من مقام الأسماء والصفات الكلّية بشكل مباشر, بداهة أنّ نورانيّة الأزمنة والأيام والشهور والبقاع الشريفة إنّما هي ذرّة وقطرة من نورانيّة الإمام عليه السلام دون العكس, فالباطن الملكوتي للإمام الحجّة هو الذي شرّف يوم وليلة الخامس عشر من شعبان دون العكس, وأنوار محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين هي التي شرّفت عالم الإمكان بأسره ـ زماناً ومكاناً ـ دون العكس, فحقيقة الإمام هي التي تفيض على جميع عوالم الإمكان دون العكس, فحتّى وإن لم يكن صاحب الزمان أرواحنا فداه قد تولّد بعد, فإنّ ملكوته ـ الموجود والخالد والسرمدي ـ موجود ومتحقّق ومتجلّي في هذه الليلة المباركة, لذلك كان رسول الله ينهل من هذا النور المبارك, بل إنّ النبي والأولياء يستمدّون من باطنهم بشكل دائم, فالنبي يستمدّ من باطنه إلى ظاهره, وهكذا هو نظام الولاية بشكل دائم, فجميع الأولياء إنّما ينهلون من عالم الباطن الذي اتصلوا بواسطته بالله تعالى, وهذا الباطن المبارك هو المسؤول عن إضفاء الخصائص والنفحات التي نراها في عالم الكثرة سواء الأمكنة أو الأزمنة الشريفة. وتشديد المراقبة والاهتمام, والالتزام بالنظام السلوكي العام له دور كبير في تثبيت حالة المراقبة وتحريك النفس وتقوية مشاهداتها, فلا بد للسالك طوال العام أن يقوم بما يلي بشكل كامل ودقيق:بدء من العزم على المضي في المجاهدة والسير والسلوك, وترك العادات والرسوم العرفيّة التي لم تقرّها الشريعة, والثبات والمثابرة, والرفق والمداراة, والمراقبة الجادة والساهرة, والمعاهدة والمشارطة والمحاسبة والمؤاخذة, وحفظ مقام الأدب مع الله والأولياء والمؤمنين والناس كل حسب رتبته, والمجاهدة من الصمت والجوع والسهر وترك الملذات إلا في مقدار الضرورة, الابتعاد عن الضوضاء وترك كلّ ما من شأنه أن يولّد في النفس هرجاً ومرجاً وخيالات, ويجعل النفس متعبة ساهية غافلة, كما ولا بدّ من المداومة على العبادات والأذكار والأوراد والسهر واليقظة بين الطلوعين وصلاة الليل والطهارة, والأهمّ من كلّ ذلك وجود الخبير المرشد الذي يأخذ بيد السالك لاجتياز الطريق ويرشده لكلّ خير, فهو بمثابة الطبيب الذي يستغنى عنه بحال من الأحوال, والذي يعرف مظانّ المرض ويشخّصه ويعطي الوصفة المناسبة لكل إنسان بشكل مستقلّ, فالمرشد الخبير في مدرسة السير والسلوك حكمه حكم الطبيب الذي لا مفرّ من متابعته, وكلّ من يراعي هذه الضوابط بشكل دائم, فسوف يوفّق إن شاء الله لمعرفة خصائص الشهور وسوف يشعر بآثارها ونفحاتها على قلبه بشكل دائم. ولا يخفى أنّ النظام العباديّ السنويّ يشتمل على ما هو عام يمكن تكراره في كلّ الشهور بشكل متناسق, وخاصّ مختصّ بكل شهر شهر على حدى, وعلى السالك إلى الله أن يهتمّ بالنظام العام الذي تشترك فيه جميع الشهور والأيام والليالي, كذلك عليه أن يهتمّ كثيراً بالجانب الخاص من الأذكار والأوراد المتعلّقة بكل موسم عبادي وبكل ساعة في الليل والنهار. ونلفت النظر إلى أنّ هناك أموراً عامّة يواظب عليها المكلّف في أيام شهر رمضان المبارك, من شأنها أن تحدث في قلبه نورانيّة كبيرة فيما لو داوم عليها بشكل مستمر طوال السنة, فهي غير مختصّة بالشهر الفضيل بل عامّة ولها آثار هامّة جسيمة, منها: الابتعاد عن كثرة الأكل والشرب والملذات وتحمل الجوع والعطش والتعب لذلك من المستحب أن يستمر الإنسان طوال عامه بصيام ثلاثة على الأقلّ أيام في كلّ شهر. قلة الكلام والحديث والخصومة مع الآخرين وخاصة حينما يكون الصائم متعباً فلا يقوى على الكلام كثيراً, فلو يستمرّ الإنسان بذلك فسوف يدرك ثمار ذلك بشكل دائم. قراءة القرآن بشكل يومي حيث يقوم الصائم عادة بقراءة القرآن بشكل يومي, ومن يستمرّ على هذا المنوال طوال عامه يبقى ـ من هذه الجهة ـ وكأنّه في حريم شهر رمضان المبارك. الاستيقاظ في أوقات الأسحار المباركة سواء لتناول السحور أو للعبادة, فنفس الاستيقاظ في الثلث الأخير من الليل له نورانيته الخاصة به. كثرة التوجّه إلى المساجد حيث يتفق في شهر رمضان المبارك أن يتوجه إلى المسجد والمشاركة في صلوات الجماعة أكثر من سائر الأيام. سماع العديد من المحاضرات والخطب النورانيّة والتبليغيّة والسلوكية والروحية, ففي هذا الشهر الفضيل يهتم المسلمون جميعاً باستماع المحاضرات المفيدة التي تذكّر الإنسان وتثنيه عن الورود في الدنيا وتحثّه نحو المراقبة والمحاسبة والسير والسلوك إلى الله عز وجل. المواظبة على الكثير من الأدعية والأوراد المباركة سيما دعاء الافتتاح ودعاء كميل والأدعية النهاريّة والليليّة وأهمّها دعاء الجوشن والذي يقرأ عادة ثلاث مرات في الشهر الفضيل إحياء ليالي القدر بما لها من آثار جسيمة وهائلة تدخل في أعماق وجود الإنسان وتبقى لأشهر عديدة الاعتكاف, حيث يعمد الكثير من المؤمنين إلى الاعتكاف في العشر الأواخر من الشهر الفضيل, ولا يخفى ما للاعتكاف من آثار سلوكية كونه يمثّل حالة العزوف عن الدنيا والانقطاع عنها بشكل كبير, فلو يعمد الإنسان إلى إحياء بعض الليالي الأخرى في السنة ممّا ورد التأكيد على إحيائه فسوف تستمر حالات شهر رمضان بالنسبة إليه. زيارة الإخوان والالتقاء بالأقارب والخلان, وكذلك دعوات الإفطار والإيلام والإنفاق... حيث تكثر هذه اللقاءات في هذا الشهر الكريم فيقوم كلّ إنسان بدعوة العديد من أقاربه وأصدقائه, ونفس هذا الجوّ يلطّف وجود الإنسان ويخلق نورانيّة خاصّة في القلب فيما لو استمر طيلة أيام السنة. كثرة الإنفاق في هذا الشهر الفضيل, ممّا يكسر حاسّة الكنز والجمع والاستئثار ويقوّي حسّ البذل وسهولة الترك والتخلي, ويجدر بالإنسان أن يستمرّ على هذا السلوك طيلة عامه. نسأل الله تعالى أن يوفّقنا جميعاً لكلّ خير بحقّ محمّد وآل محمّد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته الهيئة العلمية في موقع رحاب الوحي www.rehab-alwahy.com